الولاء بدل الدولة

كيف أعادت شبكة الطاعة تشكيل الحكم في مناطق سيطرة الحوثيين؟

تقرير خاص

لم يكن تصريح القيادي في صفوف مليشيات الحوثي محمد العماد، الذي وصف فيه واقع الجماعة بأنه وصل إلى «مرحلة قذرة»، مجرد تعبير انفعالي داخل بنية تنظيمية مغلقة، بل كشف عن أحد أخطر التحولات التي طالت طبيعة السلطة في مناطق سيطرة الجماعة خلال سنوات الحرب. فقد تحولت مؤسسات الدولة تدريجيامن أجهزة إدارية تعمل وفق القانون إلى شبكة نفوذ قائمة على الولاء الشخصي للقيادة.

وتعكس تصريحات العماد، التي أشار فيها إلى أن معيار القرب من عبد الملك الحوثي أصبح أساس التقدم داخل الجماعة، انتقال نموذج الحكم من الدولة المؤسسية إلى نموذج الولاء الشخصي، وهو تحول رصدته تقارير أممية وحقوقية خلال السنوات الماضية بوصفه أحد أبرز ملامح إدارة الجماعة للمناطق الواقعة تحت سيطرتها منذ سيطرتها على صنعاء في سبتمبر 2014.

ولاء بدل قانون

منذ السنوات الأولى لسيطرة الجماعة على صنعاء بدأت تظهر ملامح منظومة إدارية موازية تقوم على تعيين مشرفين تنظيميين داخل المؤسسات الحكومية يمتلكون صلاحيات فعلية تتجاوز في كثير من الأحيان صلاحيات المديرين الرسميين. وقد وثّق فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة المعني باليمن هذه التحولات في أكثر من تقرير سنوي، مشيرًا إلى أن سلطة اتخاذ القرار داخل عدد من الوزارات والمؤسسات المدنية لم تعد تمر عبر التسلسل الإداري الرسمي، بل عبر شبكة إشرافي مرتبطة بالقيادة العليا للجماعة.

وأدى هذا التحول عمليًا إلى تعطيل القواعد القانونية المنظمة للعمل المؤسسي، واستبدالها بمنظومة توجيهات غير مكتوبة، وهو ما يتقاطع مع مضمون تصريحات العماد بشأن تحوّل معيار التقييم الإداري داخل الجماعة من الكفاءة إلى الطاعة.

طبقية تنظيمية صاعدة

أدت منظومة الولاء الشخصي إلى نشوء طبقة إدارية جديدة داخل مؤسسات الدولة تعتمد في صعودها الوظيفي على الانتماء التنظيمي بدلًا من الخبرة المهنية. وقد وثّقت تقارير صادرة عن منظمة «سام» للحقوق والحريات عمليات إحلال وظيفي واسعة في قطاعات التعليم والصحة والقضاء خلال سنوات الحرب، شملت استبعاد موظفين وإحلال عناصر مرتبطة بالبنية التنظيمية للجماعة محلهم.

كما أشار فريق الخبراء الأممي إلى أن التعيينات داخل بعض المؤسسات المدنية والعسكرية أصبحت جزءًا من استراتيجية تثبيت السيطرة السياسية للجماعة داخل مؤسسات الدولة، الأمر الذي ساهم في إعادة تشكيل البنية الإدارية للمؤسسات العامة على أسس تنظيمية لا مؤسسية.

اقتصاد قائم ولاءات

لم يقتصر تأثير منظومة الولاء على الجهاز الإداري، بل امتد إلى المجال الاقتصادي. فقد وثّقت تقارير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة إنشاء شبكات مالية موازية تعتمد على الجبايات والرسوم غير القانونية وإدارة الأصول المصادرة خارج الإطار الرسمي للدولة، وهو ما أدى إلى نشوء اقتصاد مرتبط بمراكز النفوذ التنظيمي أكثر من ارتباطه بالمؤسسات الحكومية.

كما أشارت تقارير أممية إلى اعتماد الجماعة خلال سنوات الحرب على مصادر تمويل متعددة خارج الموازنة العامة، الأمر الذي عزز نفوذ شبكات اقتصادية مرتبطة بالبنية التنظيمية للجماعة، وأضعف في المقابل قدرة المؤسسات الرسمية على إدارة الموارد العامة وفق الأطر القانونية.

وظائف مقابل طاعة

في عدد من المؤسسات الحكومية داخل صنعاء ومناطق أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة أصبحت فرص التوظيف والترقي مرتبطة بدرجة القرب من مراكز النفوذ التنظيمي. وتشير شهادات موظفين في قطاعات مدنية مختلفة إلى أن المشاركة في الدورات الثقافية المرتبطة بالجماعة أصبحت عاملا مؤثرا في فرص التقدم الوظيفي.

كما رصدت تقارير إعلامية محلية خلال السنوات الماضية حالات استبعاد إداري طالت موظفين بسبب مواقفهم السياسية أو عدم مشاركتهم في الأنشطة التعبوية، وهو ما يعكس تحول الوظيفة العامة من حق إداري إلى أداة تنظيمية ضمن منظومة الولاء.

قضاء تحت إشراف

امتد تأثير منظومة الولاءات إلى الجهاز القضائي. فقد وثّقت نقابة المحامين اليمنيين تدخلات في مسار بعض القضايا، إضافة إلى ضغوط تعرض لها قضاة في ملفات ذات طابع سياسي. كما أشارت منظمة «هيومن رايتس ووتش» إلى وجود محاكمات استهدفت صحفيين وناشطين ووصفتها بأنها افتقرت إلى معايير العدالة.

وأدى ذلك إلى تراجع ثقة المواطنين بالمؤسسة القضائية، وإضعاف دور القضاء بوصفه إحدى ركائز الدولة الحديثة.

تعليم تحت توجيه

في قطاع التعليم شهدت المناهج الدراسية تعديلات واسعة خلال سنوات الحرب أثارت جدلا مجتمعيا وقد أشارت تقارير صادرة عن منظمات تعليمية دولية إلى أن الصراع في اليمن أثر بشكل مباشر على استقرار العملية التعليمية، كما تحدث خبراء تربويون عن إدخال مضامين تعليمية ذات طابع تعبوي في بعض المناطق الواقعة تحت سيطرة الجماعة.

كما ارتبطت بعض الأنشطة المدرسية ببرامج ثقافية تنظيمية، الأمر الذي ساهم في إعادة تشكيل البيئة التعليمية داخل تلك المناطق وفق رؤية تنظيمية تتجاوز الإطار التعليمي التقليدي.

مجتمع تحت ضغط

انعكست منظومة الولاءات على العلاقة بين المواطن والمؤسسة العامة، حيث أصبح الوصول إلى بعض الخدمات في عدد من القطاعات مرتبطًا بدرجة القرب من شبكات النفوذ المحلية. وقد أدى ذلك إلى تراجع ثقة المواطنين بالمؤسسات الرسمية وزيادة الاعتماد على الوساطات الشخصية للحصول على الخدمات الأساسية.

وساهم هذا التحول في إضعاف مفهوم المواطنة المتساوية بوصفه أحد الأسس الرئيسية لبناء الدولة الحديثة.

دولة داخل دولة

أدى انتشار منظومة المشرفين إلى ظهور بنية سلطة موازية داخل المؤسسات الرسمية، حيث أصبح المشرف التنظيمي في كثير من الحالات يمتلك صلاحيات تتجاوز صلاحيات المدير الإداري. وقد أشار فريق الخبراء الأممي إلى أن هذه البنية تمثل أحد أبرز أدوات السيطرة السياسية للجماعة داخل مؤسسات الدولة.

ويعكس هذا النموذج الإداري انتقال مركز القرار من المؤسسة إلى التنظيم، وهو تحول عميق في طبيعة بنية الحكم داخل مناطق سيطرة الجماعة.

صراع داخل الجماعة

تكشف تصريحات القيادي محمد العماد عن وجود تململ داخل بعض الدوائر التنظيمية نتيجة تصاعد نفوذ منظومة الولاءات الشخصية، وهو ما يتقاطع مع مؤشرات ظهرت خلال السنوات الماضية عبر تسريبات وتصريحات غير رسمية لقيادات ميدانية تحدثت عن اختلالات داخلية مرتبطة بإعادة توزيع النفوذ داخل الجماعة.

ويرى باحثون في شؤون الجماعات المسلحة أن هذه المؤشرات تعكس مرحلة إعادة تشكّل داخلية في بنية الجماعة نتيجة تراكم الضغوط السياسية والعسكرية والاقتصادية.

تشير مجمل هذه التحولات إلى أن نموذج الحكم القائم على الولاءات الشخصية لم يقتصر تأثيره على البنية التنظيمية للجماعة، بل امتد ليشمل مؤسسات الدولة والاقتصاد والمجتمع والقضاء والتعليم، وهو ما يجعل تصريحات العماد مؤشرا مهما على طبيعة الأزمة البنيوية التي تواجهها مؤسسات الحكم داخل مناطق سيطرة الجماعة، كما يكشف حجم التحديات التي قد تواجه أي مسار مستقبلي لإعادة بناء الدولة اليمنية على أسس مؤسسية قائمة على القانون.

Exit mobile version