اليمن بين انتماءٍ طبيعي… وهويةٍ تُصادر بالقوة

عروبي يعلن تضامنه… وآخر يُعاد تعريفه

بقلم :د. علي العسلي

في لحظةٍ تبدو فيها الجغرافيا ثابتة، يكشف المشهد اليمني أن المواقف وحدها هي التي تعيد رسم الخرائط. لم يعد اليمن كيانًا واحدًا متماسك التعريف، بل سرديتين تتشكلان في اتجاهين متعاكسين: إحداهما تنتمي بوضوح إلى عمقها العربي، والأخرى يُعاد تشكيلها داخل مشروعٍ إقليمي يتجاوز حدود الدولة، ويمسّ فلسفتها وهويتها، ويعيد تعريفها وفق منطقه.

خرجت حشود صنعاء استجابةً لدعوة عبد الملك الحوثي، في إطار تعبئةٍ سياسية واستعدادٍ معلن للانخراط في أي مواجهة إلى جانب إيران، وفاءً لدعمها لجماعته في تثبيت انقلابها على الجمهورية اليمنية ومؤسساتها الشرعية. لم يكن المشهد مجرد استعراضٍ جماهيري، بل تعبيرًا عن تموضعٍ يتجاوز الداخل اليمني، ويعيد تعريفه ضمن معادلات لا تنطلق من مصلحته الوطنية.

وفي المقابل، خرجت حشودٌ موازية في مأرب—مأرب العروبة والوفاء—في مشهدٍ لافتٍ في توقيته ودلالاته، بوصفه أحد أوائل التعبيرات الشعبية العربية الصريحة تضامنًا مع المملكة العربية السعودية، ورفضًا للاعتداءات الإيرانية على أراضيها ومنشآتها المدنية، وعلى عاصمة القرار العربي، الرياض، وعلى سائر الدول العربية. لم يكن ذلك موقفًا طارئًا، بل امتدادًا طبيعيًا لوحدة المصير، وتعبيرًا عن وعيٍ سياسي يدرك أن أمن اليمن لا ينفصل عن أمن محيطه.

في مأرب، لم يكن الحشد مجرد تجمعٍ بشري، بل بيانًا سياسيًا مكتمل المعنى. لم تُرفع الشعارات بوصفها انفعالًا لحظيًا، بل كإعلان موقف واضح: أمن اليمن والمملكة كلٌ لا يتجزأ، وأن الاصطفاف مع الشرعية والتحالف ليس خيارًا تكتيكيًا، بل ضرورة وجودية. وهو موقف ينسجم مع هوية اليمن العربية، التي لم تكن يومًا محل اختبار، بقدر ما كانت هدفًا لمحاولات الطمس والتشويه.

هنا، لا يتجلى الانتماء بوصفه شعارًا، بل كحالةٍ طبيعية لا تحتاج إلى إثبات. لم يكن ذلك انتماءً متكلفًا، ولا محاولة لتعويض نقصٍ في الهوية، بل تعبيرًا صادقًا عن موقعٍ لم يغادر نفسه. وكأن مأرب، وهي تستعيد صوتها، تعيد التذكير بأن اليمن—في أحد وجوهه الحية—لم يفقد بوصلته، بل جرى تعطيلها مؤقتًا.

على الضفة الأخرى، بدا المشهد مختلفًا في جوهره. في صنعاء الحوثي، لم يكن الحشد تعبيرًا عن هوية، بل عن وظيفة. خطابٌ يعلن الجاهزية الدائمة، ويتموضع ضمن مشروعٍ أوسع، لا يُعرّف نفسه بوطن، بل بمحور. وهنا يتجلى الفارق الحاسم: ليس السؤال مع من تقف، بل كيف تُعرّف نفسك.

فبينما أعادت مأرب تثبيت اليمن داخل معادلته العربية، بدت صنعاء وكأنها تعيد إذابة هذا التعريف داخل شبكةٍ من الولاءات المتداخلة، حيث تتحول الجغرافيا إلى منصة، والدولة إلى أداة، والهوية إلى مادةٍ قابلة لإعادة التشكيل. وفي هذا التحول، لا يعود الانتماء خيارًا، بل وظيفة… ولا تصبح الهوية تعبيرًا عن الذات، بل أداة في مشروعٍ لا يعترف بها أصلًا.

غير أن أخطر ما في هذا المشهد لا يكمن في الحشود، بل في الخطاب الذي يُنتجها. ففي تفاعلٍ لقيادي حوثي مع مشاهد بثّها الحرس الثوري الإيراني لقصفٍ مزعوم داخل السعودية، جرى توظيف صورة رجل دين مصري على صاروخٍ استُخدم في الهجوم، مرفقة بعبارة شكر له على “مساعدة الأمة الإسلامية”.

قد يبدو ذلك للوهلة الأولى ارتباكًا إعلاميًا، لكنه في حقيقته يعكس نمطًا أعمق: خلطٌ متعمد للرموز والهويات، حيث يُعاد توزيع الأدوار بين الفاعلين، وتُستعار الوجوه لتغطية الفعل، في محاولة لإعادة إنتاج الحدث داخل سرديةٍ بديلة. إنها ليست زلة، بل منهج يقوم على إعادة تشكيل الوعي، حيث تختلط الجغرافيا بالعقيدة، والسياسة بالدين، والفاعل الحقيقي بصورةٍ مُستعارة.

وحين يُستبدل الفاعل بصورةٍ مستعارة، لا يكون الهدف إخفاء الحقيقة فقط، بل إعادة صناعتها.

في هذا النموذج، لا تُدار المعركة بالسلاح فقط، بل بالصورة أيضًا.

وهنا تبرز المفارقة—ساخرة بقدر ما هي كاشفة:
إذا كانت الأفعال تُنسب لغير فاعليها، والرموز تُستعار من خارج سياقها، فقد لا يكون مستغربًا—لو استمر هذا المنطق—أن تُنسب الأحداث يومًا إلى أي أحد… فالمشكلة لم تعد في ما يحدث، بل فيمن يُعاد تعريفه كفاعل.

ليست هذه سخرية، بقدر ما هي توصيف دقيق لمنطقٍ يجعل من الغموض أداة، ومن الالتباس سياسة.

وفي هذا السياق، يبرز سؤالٌ لا يقل أهمية: لماذا يظل الحوثي في حالة إعلان دائم للاستعداد، دون انخراطٍ مباشر بنفس الوتيرة التي اندفعت بها أطراف أخرى في الإقليم؟ هل نحن أمام احتياطيٍ مؤجل ضمن حساباتٍ أوسع؟ أم ورقة ضغط تُستخدم عند الحاجة؟ أم أن الخطاب يتضخم كلما ضاقت القدرة؟

مهما تكن الإجابة، فإن المؤكد أن القرار لم يعد محليًا خالصًا، بل جزءًا من شبكةٍ تُدار وفق أولويات تتجاوز اليمن.

لقد بدا اليمن وكأنه يقف أمام مسارين متقاطعين، وهو وضع لا يمكن استمراره أو التكيف معه. إذ لا سبيل لمعالجة هذا الاختلال إلا باستعادة الدولة ومؤسساتها، وفي القلب منها صنعاء، وإعادة ربط المجتمع بهويته الطبيعية، لا المفروضة عليه بالقوة.

وقد عكست ردود الفعل على الحشدين هذا الانقسام بوضوح؛ فبينما قوبل حشد مأرب بترحيبٍ واسع باعتباره استعادةً للبوصلة، وامتدادًا طبيعيًا لوحدة المصير العربي، قوبل حشد صنعاء بانتقاداتٍ متصاعدة، باعتباره استمرارًا لسياسة الزج باليمن في صراعات لا تعكس مصالحه بقدر ما تعكس ارتباطاته.

وهنا تتجلى الحقيقة الأعمق: اليمن اليوم ليس ساحةً واحدة، بل خيارين متوازيين لا يلتقيان. خيارٌ يستعيد الدولة عبر انتمائها الطبيعي، وخيارٌ يعيد توظيفها ضمن مشروعٍ لا يعترف بها أصلًا كدولة.

في النهاية، لا يُقاس الصراع بعدد الحشود ولا بحجم الشعارات، بل بقدرة كل طرف على الإجابة عن سؤالٍ بسيط: هل تبني دولة… أم تعيد استخدامها؟

وهنا تبرز الإشادة بمأرب وأبنائها، مع الدعوة إلى سائر المدن اليمنية المحررة للتعبير عن هذا المقصد ذاته، بما يعكس حضور اليمن وصوته وموقفه أمام العالم.

وعند هذا الحد، لا تعود المسألة مجرد موقفين، بل مسارين متناقضين:
إما يمنٌ ينتمي دون أن يتكلف،
أو يمنٌ تُصادر هويته… ويُعاد تقديمه للعالم كل يوم بصيغةٍ ليست له.

Exit mobile version