خاص
مع حلول شهر رمضان، تتجدد آمال آلاف الأسر اليمنية الفقيرة في الحصول على ما يعينها على مواجهة أعباء المعيشة المتفاقمة. غير أن هذه الآمال تصطدم في كثير من مناطق سيطرة جماعة الحوثي بواقع مختلف، حيث تتزايد شكاوى السكان من غياب المساعدات رغم الإعلان عن مبالغ كبيرة يتم جمعها وتوزيعها تحت مسمى الزكاة. وبين الأرقام التي تعلنها الجهات التابعة للجماعة والواقع الذي يعيشه الفقراء، تتكشف فجوة واسعة تعكس حجم المعاناة الإنسانية التي تتفاقم عاماً بعد آخر.
أرقام كبيرة
أعلن مكتب الزكاة التابع لجماعة الحوثي في محافظة الحديدة قبل أيام عن توزيع زكاة بقيمة 700 مليون ريال يمني، أي ما يعادل نحو مليون ومائتي ألف دولار. الإعلان جاء في وقت تعيش فيه المدينة أوضاعاً اقتصادية صعبة نتيجة انقطاع الرواتب وتراجع مصادر الدخل، وهو ما جعل كثيراً من السكان يتطلعون إلى أن تسهم هذه المبالغ في تخفيف معاناتهم خلال شهر رمضان.
غير أن الإعلان عن هذا الرقم الكبير أثار تساؤلات واسعة بين الأهالي، الذين يقولون إن هذه المبالغ لم ينعكس أثرها على الواقع المعيشي في الأحياء الفقيرة التي تعاني من تدهور الأوضاع الاقتصادية وانعدام الدخل لدى آلاف الأسر.
أحياء تنتظر المساعدة
في عدد من أحياء مدينة الحديدة، خصوصاً المناطق التي تنتشر فيها مساكن النازحين والأسر محدودة الدخل، يقول السكان إنهم لم يشاهدوا أي توزيع حقيقي للمساعدات التي جرى الإعلان عنها.
ويؤكد أهالي في مناطق المحرقة والإنشاءات والأحواض وشارع التسعين أن هذه الأحياء لم تتلقَّ أي مساعدات تذكر رغم أنها من أكثر مناطق المدينة احتياجاً، حيث يعيش فيها آلاف النازحين في مساكن بدائية وأكواخ تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.
وبحسب السكان، فإن كثيراً من الأسر لا تزال تعتمد على مساعدات محدودة يقدمها أفراد أو تجار بشكل فردي، في ظل غياب برامج إغاثية منتظمة يمكن أن تخفف من حدة الأوضاع المعيشية الصعبة.
شهادة من الواقع
في حديث لموقع “الوعل اليمني”، يقول المواطن إسماعيل هديش إن الأوضاع المعيشية في الأحياء الفقيرة بمدينة الحديدة وصلت إلى مرحلة صعبة للغاية، مشيراً إلى أن كثيراً من الأسر تعيش رمضان هذا العام في ظل نقص حاد في المواد الغذائية الأساسية.
وأوضح هديش أن ما وصل من هيئة الزكاة التابعة للجماعة لا يرقى إلى مستوى المساعدات التي يمكن أن تسهم في تخفيف معاناة الأسر المحتاجة، لافتاً إلى أن بعض التوزيعات اقتصرت على وجبات بسيطة لا تكفي لتلبية احتياجات العائلات.
وأضاف أن كثيراً من الآباء يعيشون حالة من الحرج أمام أطفالهم بسبب عجزهم عن توفير احتياجات رمضان، مؤكداً أن القلق لا يقتصر على تأمين الطعام فحسب، بل يمتد إلى الخوف من الأيام المقبلة مع اقتراب عيد الفطر.
وأشار هديش إلى أن كثيراً من الأسر تفضل الصمت وعدم الحديث عن أوضاعها بسبب الخجل أو الخوف، رغم أن الواقع في تلك الأحياء يعكس مستوى كبيراً من الفقر والحاجة.
الزكاة تحت القيود
في المقابل، أفادت مصادر محلية بأن جماعة الحوثي فرضت قيوداً على توزيع الزكاة والصدقات بشكل مباشر من قبل التجار وفاعلي الخير، حيث تشترط مرور أي نشاط خيري عبر الجهات التابعة لها.
وبحسب المصادر، قامت الجماعة باحتجاز وتهديد عدد من المتطوعين الذين حاولوا توزيع الزكاة مباشرة على أسر فقيرة في بعض أحياء الحديدة خلال شهر رمضان، مطالبة بضرورة الحصول على إذن مسبق لأي مبادرة إنسانية.
وأشارت المعلومات إلى أن بعض المشاركين في تلك المبادرات تعرضوا للاحتجاز لعدة أيام، فيما تلقى آخرون تحذيرات بعدم تنفيذ أي توزيع خارج إشراف الجماعة.
ويرى ناشطون أن هذه الإجراءات تعكس توجهاً لإحكام السيطرة على أموال الزكاة والعمل الخيري، وهو ما يحد من وصول المساعدات بشكل مباشر إلى الفئات الأكثر احتياجاً.
المشهد في صنعاء
في الوقت الذي تتزايد فيه معاناة الفقراء، شهدت شوارع العاصمة صنعاء خلال الأيام الماضية رفع لوحات كبيرة تحمل صور المرشد الإيراني علي خامنئي إلى جانب صور قيادات مرتبطة بالمشروع الإيراني.
المشهد أثار موجة انتقادات واسعة، خاصة مع ظهور مفارقة لافتة تمثلت في وجود يمنيين يجلسون على الأرصفة طلباً للمساعدة تحت تلك اللوحات، في صورة اعتبرها كثيرون تعبيراً عن التناقض بين الشعارات السياسية والواقع المعيشي الصعب.
وفي تعليق على هذه المفارقة، قال سفير اليمن لدى اليونسكو الدكتور محمد جميح إن الصورة التي تجمع بين لوحات خامنئي ونساء يمنيات يتسولن في الشارع تحمل دلالات عميقة، مضيفاً أن المشهد يعكس واقعاً مؤلماً يعيشه اليمنيون في ظل استمرار الأزمات الاقتصادية والإنسانية.
انتقادات سياسية
من جانبه، قال رئيس الدائرة الإعلامية لحزب التجمع اليمني للإصلاح علي الجرادي إن مشهد الفقر الذي يعيشه اليمنيون يتناقض مع ما وصفه بالاستعراض السياسي الذي تقوم به جماعة الحوثي.
وأضاف الجرادي أن معاناة اليمنيين لا تزال مستمرة في ظل الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، مؤكداً أن السياسات التي تنتهجها الجماعة أسهمت في تعميق الأزمة الإنسانية التي تعيشها البلاد.
تتزامن هذه التطورات مع استمرار انقطاع رواتب مئات آلاف الموظفين في مناطق سيطرة الحوثيين منذ سنوات، وهو ما جعل الزكاة والصدقات أحد أهم مصادر الدعم التي تعتمد عليها الأسر الفقيرة.
ومع تزايد أعداد المحتاجين وارتفاع أسعار المواد الغذائية، يجد كثير من اليمنيين أنفسهم أمام واقع معيشي قاسٍ، خصوصاً خلال شهر رمضان الذي يفترض أن يكون موسماً للتكافل الاجتماعي ومساعدة الفقراء.
غير أن شهادات السكان في عدد من المدن تشير إلى أن جزءاً كبيراً من هذه المساعدات لا يصل إلى الفئات الأكثر احتياجاً، الأمر الذي يفاقم من معاناة الأسر التي تكافح يومياً لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتها.
تكشف قصص السكان في الحديدة وصنعاء عن جانب من الأزمة الإنسانية التي يعيشها اليمنيون في مناطق سيطرة جماعة الحوثي، حيث تتداخل الأزمات الاقتصادية مع القيود المفروضة على العمل الخيري. وبين الأرقام التي يتم الإعلان عنها والواقع الذي يعيشه الفقراء، تبقى آلاف الأسر في انتظار مساعدات قد لا تصل، بينما يستمر الفقر في التوسع داخل الأحياء الأكثر هشاشة. وفي ظل هذا الواقع، يبدو أن معاناة اليمنيين في رمضان لم تعد مرتبطة فقط بغلاء المعيشة، بل أيضاً بمدى قدرتهم على الوصول إلى ما يفترض أنه حق للفقراء قبل غيرهم.

نازحو الضالع.. رمضان قاسٍ وأعباء تتضاعف مع اقتراب العيد
تداعيات الحرب في إيران تضع الحوثيين أمام تحديات عسكرية وسياسية في اليمن
“صهاينة خلف الصليب”.. كيف سقطت السياسة الأمريكية في أحبال إسرائيل؟
إب بين الجبايات والأوبئة والانفلات الأمني.. أزمات متفاقمة تثقل كاهل السكان