بقلم :د. علي العسلي
مع تصاعد الحشد العسكري الأمريكي في مياهنا الإقليمية وتصريحات ترامب المتشددة، يزداد احتمال أن تتحول الأزمة الإيرانية إلى حدث مفاجئ يغيّر معادلات المنطقة. وفي هذا المناخ المتوتر، تصبح اليمن محورًا لا يمكن فصله عن أي قرار أمريكي “خاطف”، وقد يتحول البلد إلى ساحة تصعيد جديدة تزيد من الأزمة وتعقّد المشهد وتفاقم معاناة شعبه إذا لم يحسن المعنيون التصرف.
لا يبدو الحشد العسكري الأمريكي المتصاعد تمهيدًا لحرب تقليدية شاملة، بقدر ما يعكس تحولًا في طبيعة القرار الأمريكي نفسه. فالمؤشرات السياسية والعسكرية، ولا سيما تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، توحي بأن واشنطن لا تستعد لحرب طويلة الأمد، بل لسيناريو أكثر دقة وخطورة: ضربة نوعية خاطفة، قد تأخذ شكل اغتيال سياسي من العيار الثقيل، أو عملية اعتقال استثنائية، تهدف إلى إحداث صدمة استراتيجية بأقل كلفة عسكرية مباشرة، وهي حجة طالما رددها ترامب: إذا تعامل النظام الإيراني مع المتظاهرين بقسوة وقتل، فإن واشنطن ستتدخل باسم حماية الشعب، وباستهداف رأس النظام قد تُجبر بقية مؤسسات الدولة على الخضوع لمطالبه، وفتح باب التطبيع دون حرب.
حين يقول ترامب إن الأسطول الأمريكي قرب إيران بات أقوى مما كان عليه في حالة فنزويلا، ثم يضيف أنه “قد لا يحتاج إلى حرب على إيران”، فإن هذا الجمع بين استعراض القوة ونفي الحرب لا يمكن قراءته بوصفه تناقضًا، بل باعتباره تعبيرًا عن عقيدة ردع جديدة. عقيدة تقوم على توظيف التفوق العسكري كأداة ضغط وتهيئة، لا كمدخل لاجتياح شامل. وهذا النمط يتماشى مع شخصية ترامب السياسية التي تفضّل الضربات الرمزية عالية الأثر، القادرة على قلب المعادلات دون الانزلاق في حروب مفتوحة الكلفة.
وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن احتمال استهداف رأس النظام الإيراني، اغتيالًا أو اعتقالًا، جزءًا من منطق التفكير لا من خطاب التهويل. فالحشد العسكري هنا أقرب إلى مظلة لإدارة ما بعد الضربة، واحتواء ردود الفعل، ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة واسعة، أكثر منه استعدادًا لبدء حرب تقليدية. أي أن القوة تُستخدم لضبط الانفجار المحتمل، لا لإشعاله.
لكن خطورة هذا المسار تكمن في أن الاغتيال السياسي، مهما بدا “نظيفًا” في حسابات غرف القرار، يفتح أبوابًا لا يمكن التحكم بمآلاتها. فاستهداف رمز بحجم المرشد الأعلى لا يعني فقط ضربة للنظام الإيراني، بل زلزالًا سياسيًا وعقائديًا قد يدفع المنطقة إلى منطق ردود الفعل غير المحسوبة، ويحوّل الصراع من إدارة سياسية للأزمات إلى دائرة ثأر مفتوحة.
ومن هنا تكتسب اليمن أهمية خاصة، ليس لأنها طرف في الصراع الإيراني–الأمريكي فحسب، بل لأنها نقطة التماس الأكثر حساسية بين الاستراتيجية الإقليمية وواقع التحالفات المحلية، حيث يمكن أن تتحول أي ضربة ضد إيران إلى شرارة فورية تشتعل على أرضها، أو إلى ذريعة لتوسيع دائرة الصراع عبر وكلاء المنطقة.
ولا يمكن فصل اليمن والبحار المحيطة به عن أي سيناريو من هذا النوع. فاليمن، بحكم موقعه الاستراتيجي وحساسية ممراته البحرية، وتشابك الفاعلين فيه، يبقى من أكثر الساحات قابلية للاشتعال المتزامن. وأي تحرك أمريكي استثنائي ضد إيران سيُقابَل – على الأرجح – بتفعيل أدوات الرد غير المباشر، وفي مقدمتها جماعة الحوثي، التي تُعد الذراع الأكثر جاهزية لاقتحام المناطق المحررة، وتعطيل الملاحة، وتهديد خطوط الطاقة والتجارة الدولية.
التحركات الحوثية المتزايدة والتصعيد الخطابي والعسكري لا يمكن قراءتها بمعزل عن المناخ الإقليمي المتوتر، ولا عن الحديث المتزامن حول ترتيبات سياسية سعودية–يمنية جديدة. فالتصعيد قد يكون تمهيدًا لحدث أكبر، أو محاولة لفرض واقع جديد يفرغ أي مسار سياسي من مضمونه، ويحوّل اليمن من ساحة أزمة داخلية إلى منصة رد إقليمي بالوكالة.
وعليه، على قيادة الشرعية والمملكة، بعد وأد تحرك الانتقالي في موقعة حضرموت وما تلا ذلك من قرارات وترتيبات عسكرية وسياسية، والبدء في التشاور لتشكيل حكومة جديدة — والتي أرى أن يكتب لها النور في أقرب وقت — أن تتحرك بحزم لحماية وطننا من المخاطر المتشابكة والمتداخلة. وأعتقد أن من أولى أولويات هذه الحكومة الجديدة أن تتصدى لتوهمات الحوثي بملء الفراغ الذي حدث، وأن تعمل على إنهاء انقلابهم قبل الحديث عن أي أولوية أخرى، خصوصًا في ظل هذه الأوضاع الإقليمية المعقدة.
ختامًا، الخطر الحقيقي لا يكمن في الضربة المحتملة نفسها، بل في توقيتها وساحاتها الهشّة، وتزامنها مع اشتعال يمنّي يعيد رسم خريطة المنطقة. وإذا كان قرار واشنطن – إن اتُخذ – سيُدار بعقلية “الضربة الخاطفة”، فإن مسؤولية التحوّط تقع على عاتق مجلس القيادة الرئاسي، وداعمي الشرعية، وفي مقدمتهم المملكة، قبل وقوع الصدمة لا بعدها. فالمؤشرات الميدانية والتحركات الحوثية قرب خطوط التماس توحي بمحاولات استباقية لملء فراغ متوهّم، والعبث بالواقع على الأرض. والتاريخ لا يعاقب من لم يتنبأ بالعاصفة، بل من رأى ملامحها مبكرًا ولم يُحسن الاستعداد لها.

هل تصب الحرب المحتملة على إيران في مصلحة الخليج؟
من طلب الجن_ركضوه
الهوية ليست قميصا يخلع
متى تنتهي الفوضى الخلاقة بالبلاد العربية ؟!