الضفة المحتلة – الوعل اليمني
في مشهد يتكرر بوتيرة متسارعة، تشهد الضفة الغربية موجة غير مسبوقة من اعتداءات المستوطنين التي لم تعد تُقرأ كحوادث متفرقة، بل كمؤشر على تحولات أعمق في طبيعة الصراع على الأرض. فبين إحراق المنازل والمركبات، واستهداف المنشآت الحيوية وحتى المؤسسات التعليمية، تتصاعد التساؤلات حول ما إذا كانت هذه الهجمات جزءًا من سياسة ممنهجة تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع الديمغرافي والجغرافي في الضفة، وسط اتهامات فلسطينية بتوفير غطاء رسمي لها.
وفي هذا السياق، أحرق مستوطنون إسرائيليون، مساء أمس، مركبات فلسطينية في بلدة دير شرف شمال غرب نابلس، بعدما اقتحموا المنطقة على متن عدة مركبات، مستهدفين مشطبًا للسيارات وأضرموا النار في جرافة وشاحنة ومركبات أخرى، وفق شهود عيان. كما حاولوا الاعتداء على منازل المواطنين دون أن يتمكنوا من اقتحامها، في وقت سادت فيه حالة من التوتر والخوف بين السكان.
وبالتوازي، هاجم نحو 30 مستوطنًا ملثمًا منطقة المسعودية الأثرية، حيث أضرموا النار في خيمة سياحية، قبل أن يتصدى لهم شبان فلسطينيون ويجبروهم على الانسحاب، ما يعكس تصاعدًا في استهداف المواقع التاريخية والاقتصادية على حد سواء.
ولم تقتصر الاعتداءات على محيط نابلس، إذ امتدت إلى مناطق واسعة في الضفة الغربية، حيث سُجلت هجمات متزامنة طالت قرى وبلدات عدة، بينها جالود والفندقومية ودير الحطب، وأسفرت عن إصابات في صفوف المواطنين، إلى جانب إحراق منازل ومركبات ومقار خدمية، في مشهد يعكس اتساع النطاق الجغرافي لهذه الاعتداءات.
وفي الأغوار الشمالية، استخدم مستوطنون غاز الفلفل ضد السكان في تجمع عين الحلوة، بينما تعرضت مركبات للرشق بالحجارة في عدة محاور، ما تسبب بحالة من الذعر وعرقلة حركة المواطنين، خاصة على الطرق الحيوية.
كما طالت الاعتداءات قطاع التعليم، حيث اقتحم مستوطنون مدرسة ثانوية في بلدة حوارة جنوب نابلس، وأزالوا العلم الفلسطيني ورفعوا مكانه العلم الإسرائيلي، إلى جانب خط شعارات عنصرية على الجدران، في خطوة اعتبرتها وزارة التربية والتعليم انتهاكًا صارخًا لحرمة المؤسسات التعليمية ومحاولة لضرب البيئة التربوية الآمنة.

في المقابل، رافقت هذه الهجمات عمليات اقتحام واعتقال نفذها جيش الاحتلال في عدة مناطق، حيث اعتُقل فلسطينيون، بينهم عمال، ونُفذت مداهمات طالت منازل وتحويل بعضها إلى نقاط عسكرية، ما يعكس تداخلًا ميدانيًا بين تحركات المستوطنين والإجراءات العسكرية.
الرئاسة الفلسطينية، من جهتها، اعتبرت أن هذه الاعتداءات “فعل منظم وممنهج يتم تحت حماية مباشرة من الجيش والحكومة الإسرائيلية”، مؤكدة أنها ليست أحداثًا عشوائية، بل جزء من سياسة تستهدف الفلسطينيين وممتلكاتهم، داعية إلى تفعيل آليات دولية فورية للحماية والمحاسبة.
كما تلاقت هذه المواقف مع إدانات دولية، حيث أعربت بعثات دبلوماسية غربية عن قلقها من تصاعد ما وصفته بـ”إرهاب المستوطنين”، مطالبة إسرائيل، بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، بتحمل مسؤولياتها في حماية المدنيين ووقف هذه الهجمات.
وفي السياق ذاته، حذرت وزارة الخارجية الأردنية من خطورة استمرار هذه الاعتداءات، معتبرة أنها تنذر بتفجر الأوضاع وتقويض الاستقرار الإقليمي، في ظل غياب ردع دولي فعّال.
وتعكس الأرقام الرسمية حجم التصعيد، إذ تشير معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى تنفيذ 511 اعتداءً خلال شهر فبراير/شباط الماضي فقط، فيما قُتل 7 فلسطينيين برصاص مستوطنين منذ نهاية الشهر ذاته. أما منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023، فقد أسفرت اعتداءات الجيش والمستوطنين في الضفة عن مقتل أكثر من 1133 فلسطينيًا، وإصابة نحو 11 ألفًا و700، واعتقال قرابة 22 ألفًا.

وبينما تتواصل عمليات الحرق والتخريب والاقتحام، يبرز تساؤل جوهري: هل يشكل هذا التصعيد مرحلة جديدة من فرض الوقائع على الأرض عبر العنف المنظم؟ أم أنه مقدمة لانفجار أوسع في الضفة الغربية، في ظل تآكل فرص الحل السياسي وتزايد الضغوط على الوجود الفلسطيني؟
في ظل هذه المعطيات، تبدو الضفة الغربية أمام واقع معقد يتجاوز حدود الاعتداءات اليومية، ليطرح تحديات سياسية وأمنية مفتوحة، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى مدى قدرة المجتمع الدولي على كبح هذا التصعيد، أو الاكتفاء بإدانته.

هبوط حاد في أسعار الذهب يضعه على أعتاب محو مكاسبه السنوية بالكامل
مقتل طيارين وإصابة العشرات في تصادم مروع بين طائرة ومركبة إطفاء بمطار لاغوارديا في نيويورك
نزيف “التهدئة”: الاحتلال يخرق وقف إطلاق النار بمجازر متنقلة وحصيلة العدوان تتجاوز 72 ألف شهيد
غزة تحت ضغط الطاقة: أسعار الكهرباء تقفز والوقود شحيح بفعل القيود