غزة بين “الحظر” و”الاصطفاء”: هل تعيد “إسرائيل” هندسة العمل الإنساني عبر وكلاء “مفضلين”؟

في الوقت الذي يطبق فيه الحصار الخانق أنيابه على قطاع غزة، كشف تحقيق استقصائي موسع أعده الصحفي الكندي “رايلي سباركس” لصالح موقع “ذا نيو هيومانيتاريان”، عن ملامح استراتيجية إسرائيلية جديدة تهدف إلى “تأميم” العمل الإغاثي وتوجيهه سياسياً. التحقيق الذي تتبع مسارات الدعم والمنع، كشف عن قائمة “منظمات مفضلة” لدى جيش الاحتلال، سُمح لها بالعمل وتوسيع أنشطتها، مقابل حظر 37 منظمة أخرى رفضت الامتثال لقانون التسجيل الإسرائيلي الجديد والمثير للجدل.

الغربلة الإدارية

تشير المعطيات إلى أن نهاية الشهر الماضي شهدت تحولاً جذرياً؛ حيث واجهت 37 منظمة إغاثة -تضم تقريباً كافة الهيئات غير التابعة للأمم المتحدة- قراراً بالحظر. وفي المقابل، نالت 24 منظمة فقط “صك الغفران” الإسرائيلي بعد مطابقتها لشروط يراها مراقبون وسيلة لـ”كبح جماح” الاستجابة الإنسانية المستقلة.

ويرى خبراء ومحللون أن هذه الخطوة ليست مجرد إجراء إداري، بل هي محاولة صريحة لخلق “نظام إغاثة موازٍ” تسيطر عليه المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وتهميش الأصوات التي قد تشهد على ما وصفته لجان الأمم المتحدة وخبراء القانون الدولي بأنه “إبادة جماعية”.

صمت مقابل العمل

خلص التحقيق إلى تصنيف المنظمات المسموح لها بالعمل إلى فئتين، فئة “المساومين” وهي منظمات حسنة النية ظاهرياً، لكنها اختارت “مقايضة الصمت مقابل العمل”، متجنبةً أي انتقاد للسلوك العسكري الإسرائيلي. وفئة “المتوافقين سياسياً”: وهي الأشد خطورة، إذ تتبنى علانية السردية الإسرائيلية وتعمل بتنسيق وثيق مع سلطات الاحتلال.

ومن المثير للصدمة ما كشفه التحقيق حول منظمة “ائتلاف يد العون” (HHC) ومنتدى “يد العون العالمية” (HHGF)؛ إذ تبين أن هذه الشبكة، التي تضم منظمات مسيحية إنجيلية، قد تبرعت بمعدات تكتيكية وأحذية وملابس لوحدات في الجيش الإسرائيلي، بعضها متهم بارتكاب جرائم حرب، كما قدمت دعماً للمستوطنات في الضفة الغربية.

شراكات مشبوهة 

يربط التحقيق بين المنظمات “المفضلة” وبين ما يسمى “مؤسسة غزة الإنسانية” سيئة السمعة. فقد رُصد كبار المسؤولين في منظمات مثل “شبكة المعونة العالمية” (GAiN) و”تايم أوف فريدوم” (TOF) وهم يوزعون مساعدات في مواقع عسكرية أدارتها تلك المؤسسة خلال صيف 2025؛ وهي ذات المواقع التي شهدت هجمات دامية أسفرت عن استشهاد أكثر من 1100 فلسطيني.

علاوة على ذلك، أدرج التحقيق منظمات دولية كبرى في سياق هذا النهج، منها “المطبخ المركزي العالمي”، “خدمات الإغاثة الكاثوليكية”، ومنظمة “آكتد”، بالإضافة إلى هيئة “التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي” (IPC) ومنظمة “ساماريتانز برس”.

المساعدات لمن ترضى عنهم “إسرائيل”

في تفاصيل ميدانية لافتة، أقرت منظمة (GAiN) بأن مساعداتها تُسلم فقط للعائلات “المعروفة لدى السلطات الإسرائيلية” في مناطق “الخط الأصفر”. ووفقاً لشهادات عمال إغاثة، فإن هذه المناطق تكاد تخلو من المدنيين، ولا يتواجد فيها سوى أفراد مرتبطين بميليشيات وعصابات مدعومة إسرائيلياً (مثل القوات الشعبية)، وهي ذات المجموعات المتهمة بنهب الشاحنات والاعتداء على الفلسطينيين عند معبر رفح.

لم يتوقف الأمر عند التنسيق اللوجستي، بل امتد لتبني الدعاية السياسية. فقد نقل التحقيق تصريحات لـ”أندريه غاسيوروفسكي”، رئيس مجلس إدارة (HHGF)، وصف فيها صور المجاعة في غزة بأنها “أخبار كاذبة ودعاية تابعة لحماس”، في وقت يحذر فيه العالم أجمع من كارثة إنسانية غير مسبوقة. غاسيوروفسكي نفسه، الذي يعيش في “إسرائيل” منذ 1991، يُعرف بمنشوراته العدائية تجاه المسلمين، ووصفه لإسرائيل بأنها “جزيرة في محيط إسلامي معادٍ”.

مخطط “الريفييرا”

لعل أخطر ما كشفه التحقيق هو ضلوع مؤسسة (HHGF) في وضع مخططات لإنشاء مخيمات نازحين داخل المناطق المدمرة في غزة، بالتعاون مع مطور عقاري إسرائيلي. المخطط يتضمن وحدات سكنية من “حاويات الشحن” ومنطقة سياحية أطلق عليها اسم “ريفييرا”، وهو ما يتقاطع مع أفكار قادة إسرائيليين لتحويل غزة إلى ما يشبه “معسكرات الاعتقال”.

بناءً على ما تقدم، يؤكد عامل إغاثة رفيع المستوى -طلب عدم ذكر اسمه- أن “إسرائيل تعيد تشكيل مجال العمل الإنساني في غزة” عبر استبدال المنظمات التاريخية والمستقلة بكيانات جديدة، صغيرة الحجم، ومنصاعة تماماً للقرار الأمني والعسكري الإسرائيلي.

يبقى السؤال قائماً: هل ينجح المجتمع الدولي في حماية استقلالية العمل الإنساني، أم أن إغاثة أهل غزة ستظل رهينة لمنظمات “توزع الطعام بيد، وتدعم الجيش باليد الأخرى”؟

المصدر: وكالات.

Exit mobile version