غزة_ أزهار الكحلوت _ الوعل اليمني.
مع اقتراب هلال رمضان، لا ترتفع في غزة زينة الشوارع بقدر ما ترتفع أسعار السلع، ولا تنشغل العائلات بقوائم العزائم بقدر ما تنشغل بحساب ما تبقى في الجيوب. في الأسواق التي كانت تضج بالحياة قبيل الشهر الفضيل، يسير الناس اليوم بخطى متثاقلة، يتفقدون البضائع، يسألون عن الأسعار، ثم يغادرون بصمت. المشهد العام يبدو اعتياديًا للوهلة الأولى؛ بسطات، خضار، فوانيس قليلة معلّقة هنا وهناك، لكن خلف هذه الصورة تختبئ حكاية مدينة تُرهقها الحرب والغلاء معًا.
للعام الثالث على التوالي، يستقبل أكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة شهر رمضان المبارك في ظل واقع اقتصادي وإنساني خانق. حرب مدمّرة خلّفت دمارًا واسعًا في المنازل والأسواق والمنشآت الاقتصادية، وحصار مشدد قيّد دخول السلع والمساعدات، فباتت المائدة الرمضانية سؤالًا مفتوحًا أكثر من كونها تقليدًا متوارثًا.
وفرة تقابلها خيبة
في سوق البلد بمدينة دير البلح وسط قطاع غزة، تصطف الخضروات والفواكه على بسطات متواضعة، بينما يقف الباعة مترقبين حركة بيع خجولة. يقول التاجر إسماعيل برغوث، “ السوق متوفر فيه بعض الأصناف، ولكن أسعارها مرتفعة، والناس ما معها تشتري”، في إشارة إلى الفجوة بين وفرة نسبية في بعض الأصناف وبين قدرة شرائية شبه معدومة.
تشير بيانات رسمية صادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وسلطة النقد، إلى أن معدلات البطالة تجاوزت 77%، فيما تضررت أو دُمّرت نحو 85% من المنشآت الاقتصادية. ومع غياب الدخل الثابت لمئات آلاف الأسر، تحوّل أي ارتفاع في الأسعار إلى عبء مضاعف. فقد قفزت أسعار بعض السلع الأساسية بنسب كبيرة مقارنة بما قبل الحرب، فيما تتحدث تقديرات عن أن أكثر من 1.6 مليون شخص يعانون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.

يوسف أبو حليمة، وهو أب لسبعة أفراد نزح من بيت لاهيا إلى وسط القطاع، يقول إنه اعتاد قبل رمضان بأيام أن يشتري احتياجات الشهر دفعة واحدة. اليوم، يكتفي بشراء ما يسدّ حاجة يوم أو يومين. “لم أعد أفكر في العصائر أو الحلويات. أهم شيء الخبز وبعض الخضار. حتى اللحم صار حلمًا”.
ولا تقف الأزمة عند حدود الغلاء، بل تمتد إلى نقص السيولة النقدية واهتراء العملات المتداولة، في ظل تعطل عمل المصارف لفترات طويلة. يشتكي تجار من صعوبة توفير “الفكة” ومن اضطرارهم أحيانًا لرفض أوراق نقدية ممزقة، ما يعمّق حالة الشلل في حركة البيع والشراء.
أرقام لا تطمئن
ورغم سريان اتفاق لوقف إطلاق النار منذ أشهر، تؤكد جهات حكومية في غزة أن الكميات التي تدخل من المساعدات والسلع التجارية أقل بكثير من الاحتياجات الفعلية. ووفق بيانات المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، فإن نسبة الشاحنات التي دخلت القطاع لا تتجاوز نصف ما هو مفترض وفق البروتوكولات الإنسانية، فيما يبقى الوقود من أكثر المواد شحًا، ما ينعكس مباشرة على تشغيل المخابز ووسائل النقل ومرافق الخدمات الأساسية.
هذا النقص لا يظهر فقط في رفوف المتاجر، بل في تفاصيل الحياة اليومية. هنادي البرعي، وهي أم لخمسة أطفال تقيم في خيمة غرب دير البلح، تقول إن أسطوانة الغاز قاربت على النفاد، وإن دورها في التعبئة قد لا يحين خلال رمضان. “سنطبخ على الحطب إن اضطررنا. الدخان يؤذي الأطفال، لكن ماذا نفعل؟”.
رمضان بلا مساجد ولا بيوت
إلى جانب الضائقة الاقتصادية، يحل الشهر الفضيل على مدينة فقدت جزءًا كبيرًا من بنيتها الدينية والاجتماعية. فقد تعرضت نسبة واسعة من المساجد لأضرار جسيمة خلال الحرب، فيما دُمّرت أحياء كاملة، وتشتتت العائلات بين مراكز الإيواء والخيام.

مريم سالم، التي فقدت زوجها وأحد أبنائها خلال الأشهر الماضية، تقول إن أكثر ما يؤلمها هو مائدة الإفطار الناقصة. “رمضان كان يجمعنا. اليوم أجلس أمام أطباق قليلة، وأتذكر من كانوا يملأون المكان ضحكًا”. تضيف بصوت متهدج: “مرارة العيش بنتحملها، أما مرارة الفقد لا تطاق”.
في مخيمات النزوح، يحاول بعض الشبان تعليق زينة بسيطة فوق الخيام، فيما يصنع الأطفال فوانيس من علب بلاستيكية فارغة في محاولة لانتزاع لحظة فرح من بين الركام. ورغم بساطة المشهد، فإنه يحمل دلالة عميقة على تمسك الناس بطقوسهم، ولو في حدّها الأدنى.
اقتصاد منهك… وقلق من القادم
خبراء اقتصاديون يرون أن اقتراب رمضان، الذي يُفترض أن يشهد ذروة في الاستهلاك، يأتي هذا العام في سياق انكماش حاد. ويرى الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر، أن ضعف تدفق السلع، وارتفاع تكاليف النقل، ونقص الوقود، جميعها عوامل تضغط على الأسعار. ومع غياب الاستقرار الكامل، يتردد كثير من التجار في المغامرة باستيراد كميات أكبر، خشية الخسارة أو تلف البضائع.
وبينما تتجاوز معدلات الفقر 90% وفق تقديرات محلية، تعتمد غالبية الأسر على مساعدات إغاثية محدودة لا تغطي سوى جزء يسير من الاحتياجات. ومع كل يوم يقترب فيه الشهر الفضيل، يتزايد القلق: هل تكفي المؤن؟ هل تستقر الأسعار؟ وهل يمر رمضان دون تصعيد جديد يعيد المشهد إلى نقطة الصفر؟
بين الصوم والصمود
هكذا تستقبل غزة رمضانها الثالث منذ اندلاع الحرب؛ مدينة تصوم عن الطعام ساعات النهار، وتصوم عن الطمأنينة منذ شهور طويلة. في الأسواق، تبدو البضائع أعلى صوتًا من القدرة على شرائها. في البيوت والخيام، تختلط رائحة الحطب بذكريات موائد كانت عامرة.
ورغم كل شيء، يتمسك الغزيون بأمل خافت أن يحمل الشهر المبارك شيئًا من السكينة المفقودة، وأن تتحول موائدهم – ولو كانت متواضعة – إلى مساحة دفء تعيد لهم بعض ما سلبته الحرب من استقرار وطمأنينة. ففي مدينة اعتادت مواجهة الأزمات، يبقى الصيام عبادة، لكن الصمود صار ضرورة يومية لا خيارًا.

قلوب على واتساب.. كيف فضحت “شفرة الإيموجي” انهيار الاستخبارات الإسرائيلية في 7 أكتوبر؟
مفاوضات جنيف.. توافق إيراني أمريكي على “مبادئ عامة” وتعثر في ملف أوكرانيا
طارق رحمن يؤدي اليمين الدستورية رئيساً لوزراء بنغلاديش ويتعهد بالإصلاح
السعودية ودول عربية تعلن الأربعاء غرة رمضان وعُمان تتعذر فيها الرؤية