أثار إصدار مجموعة من الكتب التعليمية والمناهج المراجعة في فرنسا موجة عارمة من الجدل الثقافي والسياسي، بعد أن تضمنت توصيفاً لضحايا أحداث السابع من أكتوبر (طوفان الأقصى) بأنهم “مستوطنون يهود”، وهو ما فجّر ردود فعل رسمية غاضبة وصلت إلى أعلى مستويات الهرم السلطوي في الإليزيه.
وتأتي هذه الأزمة الثقافية في وقت حساس تشهد فيه القارة الأوروبية انقساماً حاداً حول السرديات التاريخية المتعلقة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، مما جعل من هذه الكتب “فتيلاً” لصراع أوسع حول حرية التعبير والمراجعة التاريخية والمصطلحات السياسية.
وأعرب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن استيائه الشديد من هذه الكتب، واصفاً ما ورد فيها بأنه “تزوير للحقائق” و”أمر لا يمكن التسامح معه”، مشدداً على أن “المراجعة التاريخية (الريفزيونيزم) لا مكان لها في الجمهورية الفرنسية”.
واتهمت الجهات الرسمية والمنظمات اليهودية في فرنسا، وعلى رأسها “المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية” (CRIF)، دار النشر “هاشيت” (Hachette) بمحاولة “شرعنة الإرهاب” من خلال استخدام مصطلح “مستوطنين” لوصف المدنيين الذين سقطوا في غلاف غزة، معتبرين أن هذا المصطلح يحمل دلالات سياسية تُجرّد الضحايا من صفتهم المدنية وتضعهم في سياق عسكري أو استيطاني لا ينطبق قانونياً على تلك المناطق المعترف بها دولياً.
من جانبها، سارعت دار النشر “هاشيت”، وهي كبرى دور النشر في فرنسا، إلى سحب حوالي 2000 نسخة من الكتب المخصصة لطلاب المرحلة الثانوية (Baccalauréat) في تخصصات التاريخ والجغرافيا والجيوسياسية، وقدم رئيس مجلس إدارتها، أرنو لاغاردير، اعتذاراً رسمياً ووعد بفتح تحقيق داخلي لمعرفة كيف تم تمرير هذا الخطأ التحريري في كتب مخصصة لجيل الشباب.
وأكدت الدار أنها بصدد إعادة طباعة الكتب وتصحيح المصطلحات لتتوافق مع الرواية الرسمية والحقائق الميدانية، تجنباً لمزيد من الاحتقان الشعبي والسياسي.
وعلى الضفة الأخرى من الجدل، رأى بعض الأكاديميين والمثقفين المنحازين للسردية الفلسطينية أن رد الفعل الرسمي الفرنسي يعكس “ضيقاً بالحرية الأكاديمية” ومحاولة لفرض سردية واحدة على المناهج التعليمية. واعتبروا أن الجدل حول “المصطلحات” هو جزء من معركة أشمل على الوعي الأوروبي الذي بدأ يشهد تحولاً في فهم جذور الصراع وتداعياته الثقافية، خاصة مع تزايد الحراك الطلابي والثقافي الذي يربط بين أحداث أكتوبر وبين تاريخ طويل من الاستيطان والاحتلال، مؤكدين أن محاولة تجريم استخدام مصطلحات معينة تعكس “سياسة الكيل بمكيالين” في التعامل مع القضايا الإنسانية والسياسية.

يوم الوعل اليمني.. تحفيز الشعور الجمعي اليمني بالرمز التاريخي الأصيل
التحول الجذري في السياسة الخارجية الإماراتية
رفض عبور الإسلام عتبة بيته.. الوجه المظلم لغاندي
بيني وبينك.. في مديح الابتِلاء