هل تصب الحرب المحتملة على إيران في مصلحة الخليج؟

إحسان الفقيه

منذ أن اندلعت ثورة الخميني في إيران وأطاحت بنظام الشاه عام 1979 وبدأ حكم الملالي، عاشت منطقة الخليج في أزمة مستمرة، كنتيجة طبيعية للمشروع الإيراني التوسعي في المنطقة، وسعْي نظام إيران إلى استقطاب شيعة العرب في هذه الدول تحت راية الولي الفقيه، وطرْح نفسه كراعٍ رسمي لهذه التكتلات، إضافة إلى زعزعة أمن المنطقة عبر الوكلاء في العراق وسوريا ولبنان واليمن.
وكما يفيد تريتا بارسي في كتابه «التحالف الغادر»، فإن العلاقة بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى كانت ذات اتجاهين، عداء مُعلن، وتفاهمات – طبيعية أحيانا وضمنية أحيانا أخرى – من تحت الطاولة، إذ كانت هناك مصالح أمريكية وإسرائيلية في وجود إيراني يهدد أمن الخليج ليظل دائما بحاجة إلى المظلة الأمنية الأمريكية، ولتبقى أمريكا وحليفها الإسرائيلي يستثمران في النزاع السني الشيعي في المنطقة.
لكن المعادلة في الوقت الراهن تغيرت، خاصة مع صعود دول الخليج، خاصة السعودية إلى مصاف الدول ذات الثقل السياسي، وثباتها كقوة اقتصادية مؤثرة، وأثرها في الملفات الإقليمية، خاصة تلك التي تقع على تماس مع إسرائيل، إضافة إلى القضاء على نظام بشار الأسد في سوريا وصعود نظام معاكس تماما يتحالف مع السعودية، ويُبقي سوريا في الحضن العربي بعيدا عن النفوذ الإيراني.
تأسيسا على ذلك، في كل مرة يرتفع منسوب التوتر والإنذار بحرب أمريكية إسرائيلية على إيران، يتردد السؤال ذاته: هل تعد هذه الحرب المحتملة على إيران فرصة استراتيجية لدول الخليج وتصب في صالحها؟ أم أنها تكون كابوسا أمنيا واقتصاديا يهدد مصالح الخليج، ويضاف إلى سجل الاضطرابات في المنطقة؟ السؤال من الأهمية بمكان، إذ أن دول الخليج تقع في قلب الجغرافيا السياسية لذلك الصراع، وتعيش على تماس مباشر مع تداعيات أية مواجهة عسكرية تندلع، كما أنها بحكم ثقلها وموقعها في أسواق الطاقة العالمية، لن تسلم مصالحها الاقتصادية من شظايا الحرب.

مصلحة وأمن الخليج يتمثل في تجنيب أراضيه وبناه التحتية وموارده ومواطنيه ويلات الحروب، واستقرار أسواق الطاقة والملاحة الدولية، وترسيخ موقعه كقوة اقتصادية

القول بأن الخليج يستفيد من ضرب إيران عسكريا، نتيجة إضعاف ذلك الخصم الإقليمي وتحجيم نفوذه، يتجاهل حقيقة أن إضعاف القدرات العسكرية لإيران لا يعني تحييد خطرها على أمن الخليج، فإيران ليست تنظيما مسلحا يمكن قطع دابره بضربة محكمة، بل هي دولة كبيرة ذات عمق سكاني وجغرافي وامتداد عقائدي، تحيط نفسها بشبكة واسعة من الحلفاء والوكلاء، واستهدافها بضربات أمريكية إسرائيلية سيدفعها حتما إلى استخدام كل أوراقها، بما في ذلك استهداف دول الخليج، التي تنظر إليها باعتبارها جزءا من التحالفات الإقليمية مع الولايات المتحدة، ومن ثم قد تتحول منطقة الخليج إلى ساحة مواجهة، خاصة مع وجود قواعد أمريكية يمكن لإيران أن تستهدفها.
استراتيجية الدفاع الإيراني مبنية على نقل المعركة إلى الخارج، خاصة وهي تدرك اختلال ميزان القوى العسكرية المباشرة، وفي هذا السياق تصبح دول الخليج أهدافا محتملة، لأنها تمتلك بنية نفطية حيوية وموانئ ومطارات تمثل شرايين الاقتصاد العالمي، واستهداف أي منشآت نفطية حيوية يؤدي إلى إرباك الاقتصاد العالمي. حال اندلاع الحرب على إيران، ستتجه الأخيرة لتحريك وكلائها في اليمن والعراق وتهديد الملاحة في الخليج العربي وخليج عمان، وقطعا لا يمكن تجاهل الحديث عن مضيق هرمز، الذي تمر عبره خمس تجارة النفط العالمية، وأي اضطراب في هذا الممر الاستراتيجي كفيل بإشعال أزمة طاقة عالمية، وهذا بلا شك يؤزم الاقتصادات الخليجية، القائمة على الاستقرار طويل الأمد، الذي يجذب الاستثمار ويعزز التنوع الاقتصادي، ويحمي خطط التحول الوطني.
التجارب التاريخية أثبتت، بما لا يدع مجالا للشك، أن القوى العظمى تشعل الحروب ثم تنسحب من تداعياتها، لتبقى الدول المجاورة تتحمل العبء الأكبر من الفوضى، فبينما تحقق الحرب على إيران مكاسب لدولة الاحتلال تتمثل في إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، ستكتوي منطقة الخليج بنيران هذه الحرب.
ونظرا لأن موقف الدول الخليجية من إيران يتفاوت من دولة لأخرى، فإنه من المتوقع حال اندلاع الحرب، أن يلقي هذا التباين ظلاله على المشهد، ومن ثم قد يؤدي ذلك إلى تعزيز الانقسامات في البيت الخليجي، وهذا بلا شك خلل استراتيجي، خاصة مع وجود ملفات آنية أخرى لا تحظى بالتوافق الخليجي كأزمتي اليمن والسودان. مصلحة وأمن الخليج يتمثل في تجنيب أراضيه وبناه التحتية وموارده ومواطنيه ويلات الحروب، واستقرار أسواق الطاقة والملاحة الدولية، وترسيخ موقعه كقوة اقتصادية ودبلوماسية فاعلة، وهذا قطعا يتعارض مع تحويله إلى ساحة حرب وميدان صراع بالوكالة.
مصلحة الخليج إذا في الاستقرار لا في الانفجار، لذلك يمكن الجزم بأن دول الخليج يهمها ألا تندلع تلك الحرب التي سوف تتحمل تبعاتها وفوضاها بلا شك، والقول بأنها تستفيد من اندلاع الحرب هو وهمٌ جليّ ونظرة ضيقة، خاصة بعد أن ضعف الخطر الإيراني على المنطقة، وتغيرت خريطة نفوذه فيها، في مقابل تنامي الثقل السياسي والدبلوماسي الخليجي، ما جعل دول الخليج تتجه لعلاقات أكثر هدوءا مع إيران.

Exit mobile version