رمضان تحت القبضة… جبايات الزكاة واتساع أرصفة التسول في صنعاء

قبل أذان المغرب بقليل، يتكاثف الزحام عند جولة المصباحي. أطفال يطرقون نوافذ السيارات بوجوه شاحبة، نساء يجلسن على الإسفلت وأمامهن أكياس بلاستيكية صغيرة، وشاب في مقتبل العمر يهمس: “من أجل الإفطار”. في الجهة المقابلة، ملصقات تدعو إلى إخراج الزكاة عبر القنوات الرسمية، وتذكّر بفضائل الصدقة في رمضان. بين المشهدين مسافة قصيرة في المكان، لكنها عميقة في المعنى.رمضان في مناطق سيطرة الحوثيين هذا العام لا يبدو موسماً للطمأنينة بقدر ما هو اختبار لقدرة الناس على البقاء. تتصاعد الجبايات تحت عناوين دينية وإنسانية، فيما تتسع رقعة المحتاجين في الشوارع، ويعلو الجدل حول مصير أموال الزكاة وعدالتها.
أرصفة تزدحم
الأكاديمي إبراهيم الكبسي انتقد مؤخراً ما وصفه بتحويل الزكاة إلى “أداة دعائية”، مؤكداً أن “الكرامة لا تُختزل في لقطة تصوير ولا في طابور أمام كاميرا”. وفي منشور متداول، أشار إلى أن “المال الذي يُجمع باسم الفقراء يجب أن يُدار بشفافية لا أن يتحول إلى مورد مغلق بلا رقابة”.
من جهته، كتب الصحفي عبدالكريم أن “الجباية حين تنفصل عن العدالة تتحول إلى استنزاف”، متسائلاً عن حجم الأموال التي تُجمع سنوياً وأوجه إنفاقها، في ظل اتساع الفقر وغياب تقارير مالية منشورة بانتظام. هذه التصريحات أعادت فتح نقاش عام حول العلاقة بين السلطة والمال العام، وحول ما إذا كانت منظومة الزكاة الحالية تسد الفجوة أم تعمّقها.
وفق تحديث إنساني صدر مطلع 2026، يواجه أكثر من 18 مليون يمني مستويات مختلفة من انعدام الأمن الغذائي، مع ارتفاع نسبة الأسر التي خفّضت عدد الوجبات اليومية. كما أشار تحليل اقتصادي حديث إلى استمرار تآكل القدرة الشرائية في مناطق سيطرة الحوثيين نتيجة الرسوم المتعددة وتباطؤ النشاط التجاري.وفي تقرير مستقل أصدره باحثون محليون هذا العام، تم رصد زيادة واضحة في التسول الموسمي خلال رمضان، مع انتقال الظاهرة من أطراف المدينة إلى أحيائها الرئيسية. التقرير أرجع ذلك إلى “تراكم الديون المنزلية، وانكماش فرص العمل، وتراجع شبكات التكافل الأهلي”.
التاجر بين المطرقة والسندان
في سوق شميلة، يقول صاحب متجر مواد غذائية للوعل اليمني إن لجان التحصيل تمر سنوياً لتحصيل الزكاة، لكن “الطلبات هذا العام أكثر تشدداً”. يضيف: “ندفع خوفاً من المساءلة، لكننا لا نعرف أين تذهب هذه المبالغ. لو كانت تُصرف كما ينبغي، لما رأينا هذا العدد من الأسر أمام محلاتنا”.تاجر آخر أشار إلى أن الضغوط المالية المتزايدة تدفع بعض أصحاب الأعمال الصغيرة إلى تقليص نشاطهم أو إغلاق محلاتهم، ما يفاقم البطالة ويضيف أسماء جديدة إلى قائمة المحتاجين.
أسر تتآكل من الداخل
في حي بيت بوس، تجلس أم لخمسة أطفال داخل منزل خالٍ من مظاهر رمضان المعتادة. تقول إن زوجها كان يعمل في قطاع الخدمات وتراجع دخله بشدة خلال العامين الماضيين. “كنا نعتمد على الراتب ونعيش بكرامة. الآن نقترض لشراء الدقيق”، تقول بصوت خافت.
شاب جامعي اضطر إلى ترك دراسته هذا العام بعد عجز أسرته عن سداد الرسوم. يعمل حالياً في بيع المناديل عند الإشارات. “رمضان كان موسم فرح. اليوم هو موسم بحث عن من يساعدك”، يقول وهو ينظر بعيداً عن عدسة الكاميرا.
عدد من القائمين على مبادرات خيرية محلية قالوا للوعل اليمني إن عملهم تقلص بفعل قيود تنظيمية وإجراءات معقدة. أحدهم أوضح أن “المبادرات الصغيرة كانت تصل مباشرة إلى الأسر المحتاجة دون تعقيد، لكن المساحة تقلصت وأصبح كل شيء يمر عبر قنوات مركزية”.هذا التحول، بحسب باحثين اجتماعيين، أضعف روح التكافل التقليدية التي عُرف بها المجتمع اليمني، وجعل الفقراء أكثر اعتماداً على منظومة رسمية لا تتوافر حولها معلومات كافية عن حجم مواردها.
يرى الخبير القانوني همدان العريقي أن أي إدارة للزكاة يجب أن تقترن بتقارير مالية دورية معلنة. ويقول للوعل اليمني: “عندما لا تُنشر بيانات واضحة عن الإيرادات والمصروفات، يتعزز الشعور بأن المال العام خارج الرقابة المجتمعية”.
ويضيف أن الزكاة فريضة ذات بعد اجتماعي عميق، “لكنها تفقد أثرها إذا لم تُدار وفق معايير العدالة والشفافية”.
طفوله متسوله
عند مدخل أحد المساجد في التحرير، يقف أطفال بملامح مرهقة ينتظرون خروج المصلين. بعضهم لم يتجاوز العاشرة. تقرير أممي محدث أشار إلى أن ارتفاع معدلات الفقر يدفع المزيد من الأطفال إلى العمل أو التسول، ما يهدد مستقبل جيل كامل.
الخبير في السياسات الاجتماعية، الدكتور رائد الكميم، يقول إن “الاعتماد على المساعدات الموسمية دون إصلاح اقتصادي شامل يعيد إنتاج الفقر كل عام”. ويؤكد أن معالجة الظاهرة تبدأ بإعادة انتظام الرواتب، وتخفيف الرسوم، وتوسيع فرص العمل، وإخضاع أموال الزكاة لرقابة مستقلة.
في ليالي صنعاء، تتعالى أصوات التراويح، لكن خارج أسوار المساجد يستمر الانتظار. ليس الجدل اليوم حول مشروعية الزكاة، بل حول إدارتها وعدالتها. ومع كل عام يمر، يزداد عدد الواقفين على الأرصفة، بينما تظل الأسئلة معلقة: هل تصل الأموال كاملة إلى مستحقيها؟ وهل يمكن إعادة بناء الثقة بين المجتمع ومنظومة الجباية؟
رمضان، الذي يفترض أن يكون موسم رحمة، أصبح لدى كثيرين مرآة تعكس خللاً أعمق. وبين موائد عامرة في بعض البيوت وأرصفة مكتظة في الخارج، يتشكل وجه آخر للمدينة… وجه يبحث عن عدالة لا عن صدقة عابرة، وعن كرامة لا تُختزل في طابور انتظار.






