
تقرير
في موجة ترويج لافتة اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي في صنعاء خلال الأيام الماضية، تحول ظهور عدد من الوجوه الإعلامية المشهورة وهم يروّجون لمركز “طبيب أعشاب” إلى قضية رأي عام، بعد أن قُدِّم المركز بوصفه قادرًا على علاج طيف واسع من الأمراض، بينها حالات مزمنة ومعقدة، وبنتائج سريعة. غير أن هذا الخطاب، الذي استند إلى عبارات الثقة وشهادات شخصية، سرعان ما قوبل بردود فعل غاضبة من أوساط الناشطين، أعادت فتح ملف الطب البديل وحدوده، وطرحت تساؤلات تتعلق بالمسؤولية، والعلم، والقانون في بيئة صحية هشّة.
الاسم الذي تصدر الجدل هو خليل الضمين، الذي تم الترويج له، حيث جرى تقديمه بوصفه صاحب خبرة طويلة في التداوي بالأعشاب، مع ادعاءات بقدرته على التعامل مع أمراض متعددة، من بينها أمراض القلب والعظام. هذا النوع من الخطاب، القائم على التعميم، شكّل نقطة تحول في النقاش، إذ اعتبره مختصون تجاوزًا خطيرًا، خاصة عندما يتعلق الأمر بأمراض معقدة تتطلب تدخلًا طبيًا دقيقًا.
مداخلات علمية وتحذيرات
ومع تصاعد الجدل، برزت مداخلات علمية حاولت تفكيك هذه الادعاءات، من بينها ما طرحه الدكتور الباحث علي أحمد الشرعبي على صفحته في فيسبوك، الذي أكد أن طب الأعشاب علم حقيقي ومحترم بجكم عمله وبحثه في هذا المجال، لكنه شدد على أن استخدامه خارج الأطر العلمية يمثل تضليلًا للناس. وأوضح أن أمراض القلب الذي يدعي معالجتها أطباء الأعشاب ليست حالة واحدة يمكن التعامل معها بوصفة موحدة، بل تشمل طيفًا واسعًا من الحالات مثل الجلطات القلبية وقصور القلب واضطرابات النظم وأمراض الصمامات، وكل منها يخضع لبروتوكولات علاجية دقيقة مبنية على الطب القائم على الدليل.
وأشار الشرعبي إلى أن العلاج الحديث يعتمد على أدوية مثبتة علميًا، وتدخلات طبية متقدمة مثل القسطرة والدعامات، وأجهزة تنظيم ضربات القلب، مؤكدًا أن الأعشاب قد يكون لها دور مساعد، لكنها لا يمكن أن تكون بديلًا عن هذه المنظومة، ولا توجد دراسات سريرية موثوقة تثبت قدرتها على علاج جميع أمراض القلب. وخلص إلى أن هذا النوع من الادعاءات لا يخالف العلم فقط، بل قد يعرّض حياة المرضى للخطر.
هذه الرؤية العلمية ترافقت مع تحذيرات أخرى، من بينها ما طرحه الخبير وصانع المحتوى في التغذية العلاجية أنور يحيى، الذي أكد في رده على منشور للإعلامي محمد المحمدي الذي ساهم في الترويج لمركز الضمين قائلا: أن الأعشاب ليست مواد بريئة حتى يعلن عنها، بل تحتوي على مركبات كيميائية فعالة قد تؤثر في الجسم بطرق معقدة، وقد تسبب التسمم أو تؤثر على ضغط الدم ومستويات السكر، فضلًا عن تأثيرها المحتمل على الكبد والكلى، أو تداخلها مع أدوية أخرى.
هذه التحذيرات أعادت التأكيد على أن التعامل مع الأعشاب لا يختلف في جوهره عن التعامل مع الأدوية، من حيث الحاجة إلى المعرفة الدقيقة والجرعات المضبوطة والإشراف المختص.
كما عبّر ناشطون عن مواقف أكثر حدة، من بينهم صالح أحمد الضبياني، الذي اعتبر أن ادعاء القدرة على علاج جميع الأمراض يتناقض مع أبسط مبادئ الطب، مشيرًا إلى أن حتى الأطباء في أكثر الدول تقدمًا يعملون ضمن تخصصات محددة، بينما يقدم بعض ممارسي الأعشاب أنفسهم كمعالجين شاملين.
وفي خضم هذا السجال، برزت شهادات وتجارب شخصية أعادت النقاش إلى أرض الواقع، حيث كتب الكاتب عبدالكريم الشميري منشورًا استعاد فيه صورة أوسع لما وصفه بظاهرة متجذرة، مشيرًا إلى أن هذه الممارسات ليست جديدة، بل امتداد لنمط قديم من التداوي بالأعشاب، موعزا إن الضمين نفسه كان قبل يُقدَّم نفسه على أنه قادر على علاج كل شيء، مستندًا إلى بروشورات وشهادات من شخصيات سياسية تعالجت عنده.
غير أن الأهم في مداخلة الشميري كان نقله لتجربة أحد معارفه مع والدته، التي عانت من أمراض في العظام، وبعد رحلة علاجية في عدة دول لأم صديقة، أصرت على تجربة العلاج بالأعشاب. يروي الشميري أنه اضطر صديقه لمرافقتها إلى مركز الأعشاب، حيث حصلت على خلطات عشبية بمبالغ 50 الف، قبل أن تتدهور حالتها لاحقًا وتُصاب بقرحة في المعدة، ما اضطر صديقه للعودة بها إلى العلاج الطبي بتكاليف مضاعفة. هذه الشهادة، رغم أنها تظل تجربة فردية، تعكس جانبًا من المخاطر المحتملة عندما يُستبدل العلاج العلمي بوصفات غير موثقة.
واقع القطاع الصحي
هذا التداخل بين التجارب الشخصية والتحذيرات العلمية يعكس حالة من الارتباك في الوعي العام، حيث تختلط القناعات بالموروث، والتجربة بالدليل، في بيئة يعاني فيها القطاع الصحي من تحديات كبيرة، من بينها ضعف الإمكانات وارتفاع تكاليف العلاج. وفي ظل هذه الظروف، يجد الطب البديل مساحة واسعة للانتشار، مدعومًا بثقة اجتماعية وتأثير إعلامي، خاصة عندما يتبناه مشاهير يمنحونه قدرًا من المصداقية.
غير أن هذا الانتشار لا يخلو من إشكاليات قانونية، إذ تُعد ممارسة الطب دون ترخيص مخالفة قانوينة، كما أن الترويج لعلاجات غير مثبتة قد يندرج ضمن التضليل، خاصة إذا أدى إلى أضرار صحية. ومع ذلك، يشير منتقدون إلى أن ضعف الرقابة من الدولة يساهم في استمرار هذه الظاهرة، بل ويذهب بعضهم إلى الحديث عن حالة من التواطؤ أو التغاضي مع ظاهرة الطب البديل، في ظل غياب إجراءات حازمة تجاه هذه المراكز والتجار..
في المقابل، لا تتعامل المؤسسات العلمية الدولية مع الطب التقليدي، بما في ذلك التداوي بالأعشاب، بوصفه مرفوضًا أو مقبولًا بشكل مطلق، بل ضمن إطار أكثر دقة يقوم على التقييم العلمي الصارم. إذ تؤكد منظمة الصحة العالمية أن الطب التقليدي يمكن أن يكون جزءًا من المنظومة الصحية، خصوصًا في المجتمعات التي تعتمد عليه تاريخيًا، لكن هذا الإدماج مشروط بعدة معايير أساسية، أبرزها إثبات السلامة والفعالية والجودة من خلال أبحاث علمية وتجارب سريرية موثوقة.
وتشدد المنظمة على ضرورة أن تخضع المنتجات العشبية لنفس مبادئ التقييم التي تُطبق على الأدوية الحديثة، بما في ذلك تحديد الجرعات، ودراسة الآثار الجانبية، وضمان نقاء المكونات، ومنع التلوث أو الغش في التصنيع.
وفي السياق ذاته، يوضح المركز الوطني للصحة التكميلية والتكاملية أن كثيرًا من المنتجات العشبية المتداولة لا تزال تفتقر إلى أدلة علمية كافية تثبت فعاليتها في علاج الأمراض، خاصة الحالات المزمنة أو المعقدة.
كما يشير إلى أن هذه المنتجات قد تختلف في تركيبها الفعلي عما هو معلن، نتيجة ضعف الرقابة على التصنيع، وهو ما قد يؤدي إلى وجود مواد غير مدرجة أو تراكيز غير دقيقة. ويؤكد المركز أن بعض الأعشاب قد تسبب آثارًا جانبية خطيرة، أو تتفاعل مع الأدوية الطبية، إما بزيادة تأثيرها إلى مستويات ضارة، أو تقليل فعاليتها، ما قد يعرض المريض لمضاعفات غير متوقعة.
ومن هذا الجدل، لا يمكن التعامل مع ما جرى بوصفه موجة عابرة على منصات التواصل، وإنما كحالة تعكس واقعًا أوسع يتقاطع فيه البحث عن الشفاء مع شحّ الخيارات، وتتصاعد فيه الآمال مع أي خطاب يعد بنتائج سريعة. في مثل هذه البيئات، تتقدم الشهادات الفردية والإعلانات لتشغل مساحة التأثير، بينما يجد المرضى أنفسهم أمام روايات متباينة يصعب التحقق من دقتها، في ظل ظروف صحية واقتصادية تدفع كثيرين إلى التجربة.






