
على مدى أكثر من نصف قرن، لم يكن النظام الإداري في سوريا مجرّد جهاز بيروقراطي متخلف ومترهل ومهترئ، بل كان أداة قمع وقهر ممنهجة، لا تقل فتكاً عن الأجهزة الأمنية وأفرع المخابرات سيئة الصيت، ولا تقل إذلالاً عن أقبية التعذيب، لهذا فهو اليوم أخطر أنواع الفلول التي مازالت تتربص بالسوريين. نظام صُمّم بعناية لا لخدمة المواطن، بل للتنكيل به وكسر إرادته، واستنزاف وقته، ونهب ماله، وتحويل حياته اليومية إلى سلسلة لا تنتهي من الطوابير، والأختام، والتواقيع، والمراجعات العبثية. من الصعب، بل من المستحيل، أن تجد سورياً واحداً لم يلعن هذا النظام الإداري، ولم يختبر بنفسه الإذلال المتعمّد الذي رافق أبسط معاملة رسمية.
لم يكن الروتين الإداري في سوريا نتيجة جهل أو فوضى عشوائية، بل كان سياسة مقصودة ومتعمدة ومدروسة بعناية. تعقيد الإجراءات، تكرار الطلبات، تضارب الصلاحيات، غياب الوضوح، ضياع الملفات، كلها أدوات صُمّمت لتجعل المواطن يشعر بالعجز الدائم، ولتذكّره في كل مرة أن الدولة ليست في خدمته، بل هو في خدمتها، وأن كرامته ووقته رهن مزاج موظف صغير خلف شباك صدئ. معاملة قد لا تحتاج في أي دولة طبيعية أكثر من دقائق، كانت في سوريا تستغرق أسابيع أو أشهر، وربما سنوات، إلا إذا دفعت وبرطلت.
وهنا نصل إلى جوهر الكارثة: تحوّل النظام الإداري إلى اقتصاد ظلّ متكامل، وإلى سوق مفتوحة للابتزاز والرشوة. لم يعد الموظف مجرّد موظف، بل أصبح سمساراً متمرساً، وحارس بوابة، وتاجر معاناة. “ادفع تُنجز، لا تدفع تُعذّب”. هذه كانت القاعدة غير المكتوبة، ولكن المعروفة لدى الجميع. ملايين الدولارات تدفقت عبر الرشى الصغيرة، من معاملات الأحوال المدنية، إلى السجل العقاري، إلى الجمارك، إلى الوزارات، إلى القضاء. دولة لا تكتفي بسرقة ثروات شعبها، بل تفرض عليه أن يدفع كي يحصل على حقه.
الأخطر من ذلك، أن هذا النظام الإداري السيء لم يدمّر فقط علاقة المواطن بالدولة، بل دمّر مفهوم الدولة نفسه. حين يصبح القانون سلعة، والإجراء الإداري أداة ابتزاز، والوظيفة العامة وسيلة للإثراء غير المشروع، تنهار الثقة، ويتحوّل المجتمع إلى كتل ناقمة، فاقدة لأي شعور بالانتماء. المواطن لا يرى في الدولة مظلة، بل يرى فيها عدواً يومياً، يتربّص به عند كل معاملة، وكل ورقة، وكل ختم.
إن الحديث اليوم عن “إصلاح” هذا النظام الإداري هو حديث ساذج، أو مضلل، أو جبان. هذا النظام لا يُصلَح، لأنه بُني على الفساد، وتغذّى عليه، واستمر به. لا يمكن ترميم الخراب، ولا تجميل القبح، ولا ترقيع منظومة هدفها الأساسي الإذلال. المطلوب ليس إصلاحاً، بل نسف كامل، من الجذور، دون تردّد أو مجاملة أو خوف من خسارة امتيازات فاسدة.
على السلطة الجديدة في سوريا، لا مجرد استبدال وجوه بوجوه، أن تبدأ من هنا: من الإدارة. من تفكيك الجهاز البيروقراطي القديم القائم على روتين قاتل، وإعادة بنائه بعقل جديد، وفلسفة جديدة، ومنطق مختلف بالكامل. إدارة تُبنى على خدمة المواطن، لا إخضاعه. على السرعة، لا التعقيد. على الشفافية، لا الغموض. على المحاسبة، لا الحصانة.
لا يمكن بناء إدارة حديثة بموظفين تربّوا لعقود على الرشوة، والاستعلاء، واحتقار الناس وإهانتهم والتنكيل بهم
أول خطوة حقيقية هي تقليص الإجراءات إلى الحد الأدنى. كل معاملة لا ضرورة لها يجب أن تُلغى، وكل وثيقة يمكن الاستغناء عنها يجب شطبها، وكل توقيع لا قيمة قانونية حقيقية له يجب إزالته. الدولة الحديثة لا تُقاس بعدد الأوراق، بل بقدرتها على تسهيل حياة الناس. ما لا يُنجز إلكترونياً خلال دقائق، يجب أن يُعتبر فشلاً إدارياً.
وهنا تبرز أهمية التحوّل الكامل إلى نظام إداري إلكتروني. ليس كشعار دعائي، ولا كمشروع تجميلي، بل كخيار استراتيجي لا بديل عنه. النظام الإلكتروني يقلّص الاحتكاك بين المواطن والموظف، ويغلق أبواب الرشوة، ويوثّق كل خطوة، ويجعل التأخير قابلاً للمحاسبة. كل معاملة يجب أن تكون قابلة للتتبع، بزمن محدد، ومسؤول واضح، وعقوبة صريحة عند الإخلال.
لكن التحوّل الرقمي وحده لا يكفي، إن لم يرافقه تطهير حقيقي للجهاز الوظيفي. لا يمكن بناء إدارة حديثة بموظفين تربّوا لعقود على الرشوة، والاستعلاء، واحتقار الناس وإهانتهم والتنكيل بهم. يجب إعادة تقييم الكوادر، وفصل الفاسدين دون تردّد، وربط الأجور بالإنتاجية، وتغيير ثقافة الوظيفة العامة من “مزرعة” إلى “خدمة”. الموظف العام ليس سيّداً وطاغية، بل خادم للقانون والناس.
كذلك، لا بد من تشريعات صارمة وواضحة، تُجرّم التعقيد المتعمّد، وتُحاسب على التأخير غير المبرر، وتمنح المواطن حق الشكوى والمقاضاة والملاحقة. الإدارة ليست فوق المجتمع، بل جزء منه، وتخضع للمساءلة مثلها مثل أي سلطة أخرى.
باختصار، لا دولة بلا إدارة محترمة، ولا كرامة لمواطن يُهان ويتمرمط يومياً في الدوائر الرسمية، ولا مستقبل لسوريا إن بقيت أسيرة نظام إداري صُمّم للتنكيل والتجميد لا للبناء. نسف النظام الإداري ليس ترفاً، ولا شعاراً ثورياً، بل شرط وجودي لأي مشروع دولة حقيقية. من دون ذلك، سنعيد إنتاج الاستبداد نفسه والطغيان نفسه والظلم نفسه، بأسماء جديدة، وواجهات أنيقة، ولكن بجوهر فاسد قذر خرب لا يتغير.
انسفوا النظام الإداري السوري من أساسه وارموه في مزابل التاريخ هذا إذا قبلت المزابل باستقباله.

ميونيخ… اليمن بوابة استقرار البحر الأحمر
حضرموت والوضع الراهن: قراءة في جذور الأزمة ومسارات الحل
وأن تصوموا خير لكم
مستقبل المشروع الإيراني