رمضان في مناطق الحوثيين.. موائد شحيحة وخطاب رسمي يزيد غضب الموظفين

خاص –

مع دخول شهر رمضان، لا تبدو المدن الخاضعة لسلطة الحوثيين كما عرفها اليمنيون في مواسم سابقة. الزينة الخافتة في بعض الشوارع لا تخفي ثقلا معيشيا يضغط على صدور الأسر، فيما تحولت التحضيرات للشهر الفضيل من طقوس فرح جماعي إلى حسابات دقيقة لما يمكن شراؤه وما يجب الاستغناء عنه. في صنعاء وذمار وإب والحديدة، يستقبل مئات الآلاف من الموظفين رمضان بلا رواتب منتظمة، في ظل موجة غلاء متصاعدة وخطاب رسمي يثير مزيدا من الجدل والغضب.

خطاب العجز

أثار تصريح منسوب لوزير مالية الحوثيين، قال فيه ردا على مطالبات الموظفين بصرف مرتباتهم «ما يخلق المعدوم إلا الله»، موجة استياء واسعة، إذ اعتبره موظفون تعبيرا صريحا عن التنصل من مسؤولية دفع الرواتب. هذا التصريح، الذي تداوله ناشطون على نطاق واسع، جاء في وقت تتواصل فيه عمليات تحصيل الضرائب والجمارك والزكاة والرسوم المختلفة بوتيرة عالية في مناطق سيطرة الجماعة.

مصدر اقتصادي في صنعاء قال لـ الوعل اليمني إن “الحديث عن انعدام الموارد يتناقض مع استمرار تدفق الإيرادات المحلية من قطاعات حيوية، لكن الإشكالية تكمن في أولويات الصرف وغياب الشفافية في إدارة المال العام”. وأضاف أن ملف الرواتب تحوّل إلى ورقة سياسية بينما يدفع الموظفون ثمن هذا الجمود.

أسواق فقيرة بالمشترين

في سوق التحرير بصنعاء، يؤكد أحد باعة المواد الغذائية لـ الوعل اليمني أن حركة البيع هذا العام هي الأضعف منذ سنوات. ويقول “الناس تشتري بالحد الأدنى، وبعضهم يطلب بالدين. لم يعد أحد يملأ عربته كما كان يحدث في رمضان سابقا”.

أم أحمد، زوجة موظف تربوي، أوضحت لـ الوعل اليمني أن أسرتها اضطرت لتقليص قائمة الاحتياجات إلى النصف. “نعتمد على تحويل بسيط من قريب في الخارج. نحاول أن نحافظ على أجواء الشهر لأطفالنا، لكن الأسعار ترتفع كل أسبوع”، مضيفة أن القلق من تراكم الديون أصبح هاجسا يوميا.

بين الواجب والديون

معلم في إحدى مدارس صنعاء قال لـ الوعل اليمني إنه يواصل التدريس بدافع المسؤولية فقط، رغم غياب راتبه المنتظم منذ سنوات. وأضاف “رمضان صار موسما للاستدانة. البقالات في الأحياء تسجل أسماءنا في دفاتر الدين، وننتظر انفراجة لا نعرف متى تأتي”.

ويشير المعلم إلى أن كثيراً من زملائه اضطروا للعمل في مهن إضافية بعد الدوام، من أجل تأمين الحد الأدنى من متطلبات أسرهم، بينما يذهب بعض الطلاب إلى المدارس دون مصروف يومي كاف.

في خضم هذه المعاناة، انتقد ناشطون ما وصفوه بالذهنية الدعائية في تغطيات المؤسسات المالية التابعة لسلطة صنعاء، التي تركز على حجم المبالغ المصروفة في مقدمة الأخبار، دون إيضاح أثرها الفعلي على حياة المواطنين.

الناشط رشيد البروي قال في منشور رصدته وسائل إعلام محلية إن تحويل الأرقام إلى “بطل الخبر” يفرغ التغطية من مضمونها، ويجعلها أقرب إلى بيانات علاقات عامة. وأضاف أن الصحافة المهنية تسأل عن عدد المستفيدين وكلفة الفرد ومعايير الشفافية، لا عن حجم الرقم المجرد.

صحفي محلي قال لـ الوعل اليمني إن “التركيز على المبالغ المصروفة لا يجيب عن السؤال الحقيقي في الشارع: لماذا لا تنعكس هذه الأرقام على معيشة الناس أو على صرف الرواتب؟”.

رمضان بلا زينة كاملة

في أحياء عدة، اختفت بعض مظاهر رمضان التقليدية. موائد الإفطار الجماعية باتت محدودة، والمبادرات الخيرية تراجعت بفعل ضعف القدرة المالية للمتبرعين المحليين.

أم لثلاثة أطفال في الحديدة قالت لـ الوعل اليمني إنها لم تتمكن هذا العام من شراء ملابس جديدة لأبنائها. “أقصى ما أتمناه أن يمر الشهر بسلام دون أن أضطر لاقتراض مبلغ جديد”، مضيفة أن الأولوية أصبحت لتأمين الدقيق والزيت فقط.

أزمة تمس الكرامة

مختص اجتماعي أوضح لـ الوعل اليمني أن استمرار انقطاع الرواتب لا يمثل مجرد أزمة مالية، بل يمس كرامة الموظف ويقوض ثقته بالمؤسسات. وأضاف أن تحميل الفقر إلى “القدر” بدلا من الاعتراف بالمسؤولية الإدارية والسياسية يفاقم الإحباط المجتمعي.

ويرى مراقبون أن معالجة الأزمة تتطلب شفافية مالية واضحة، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق، وتحييد ملف الرواتب عن التجاذبات السياسية، باعتباره حقا قانونيا لملايين الأسر.

ورغم الصورة القاتمة، يحاول اليمنيون الحفاظ على روح الشهر الكريم عبر تبادل الأطباق البسيطة بين الجيران ومبادرات تكافل محدودة. غير أن هذا التضامن، على أهميته، لا يعوض غياب دخل ثابت يضمن الحد الأدنى من الاستقرار.

هكذا يدخل كثير من سكان مناطق سيطرة الحوثيين رمضان هذا العام: بإيمان وصبر، لكن بموائد أقل، وديون أكثر، وانتظار طويل لراتب تحول من حق مكتسب إلى أمنية مؤجلة.

Exit mobile version