غزة تموت ببطء تحت الحصار والبرد: إبادة صامتة في خيام النزوح

غزة- الوعل اليمني

في خيامٍ لا تقي من الرياح ولا تحمي من المطر، وعلى أرضٍ باردةٍ تفتقر لأبسط مقومات الحياة، يعيش أكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني في قطاع غزة واحدةً من أقسى المآسي الإنسانية في تاريخهم الحديث. فمع اشتداد المنخفض الجوي القطبي غير المسبوق، تحوّل البرد القارس والأمطار الغزيرة والرياح العاتية إلى عامل قتلٍ مباشر، يضاف إلى آلة الحرب والحصار الإسرائيلي المشدد، ليصنع مشهداً مركباً من الإبادة البطيئة والمعاناة اليومية المفتوحة على الموت.

حذرت حركة حماس الثلاثاء، من أن قطاع غزة لا يزال يعيش «أبشع أنواع الإبادة الجماعية»، في ظل استمرار الحصار الإسرائيلي ومنع إدخال مواد الإغاثة والإيواء، وتزامن ذلك مع وفيات متزايدة بفعل البرد الشديد وانهيار المنازل المدمرة وانتشار الأمراض المعدية والتنفسية.

وقال الناطق باسم الحركة حازم قاسم إن استمرار ارتقاء الشهداء، خاصة من الأطفال وكبار السن، نتيجة البرد القارس، إلى جانب انهيار المنازل التي تضررت بالقصف وانتشار الأمراض، يؤكد أن ما يجري في غزة ليس كارثة طبيعية، بل نتيجة مباشرة للحصار الإسرائيلي الخانق وسياسة القتل البطيء. وأضاف أن المنظومة الدولية تقف عاجزة عن تقديم أي إغاثة حقيقية لأهالي القطاع، رغم تكرار المناشدات الإنسانية، محمّلاً الاحتلال المسؤولية الكاملة عن تفاقم الكارثة.

ودعا قاسم الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي والمجتمع الدولي إلى تحرك عاجل وفوري لكسر الحصار عن غزة، وإدخال المساعدات ومواد الإغاثة ووسائل التدفئة، محذراً من أن استمرار الصمت الدولي يمنح حكومة اليمين الإسرائيلي غطاءً لمواصلة إبادة الشعب الفلسطيني.

منخفض جوي يحصد الأرواح

منذ مساء الاثنين، ضرب قطاع غزة منخفض جوي قطبي وُصف بالأشد قسوة منذ سنوات، ترافق مع أمطار غزيرة ورياح قوية وانخفاض حاد في درجات الحرارة. وأعلن الدفاع المدني في غزة، الثلاثاء، مصرع 4 فلسطينيين نتيجة انهيارات جزئية في مبانٍ متضررة بفعل القصف الإسرائيلي خلال حرب الإبادة، بعدما أدت الأمطار الغزيرة إلى تآكل أساساتها.

وقال المتحدث باسم الدفاع المدني محمود بصل إن طواقمه تعاملت مع 7 حالات وفاة منذ بداية المنخفض الحالي، نتيجة انهيارات مبانٍ آيلة للسقوط، إضافة إلى وفاة طفل جراء البرد القارس، ليرتفع عدد ضحايا المنخفضات الجوية والبرد منذ بداية فصل الشتاء إلى 31 شهيداً. وحذّر بصل من تداعيات كارثية تهدد نحو 1.5 مليون فلسطيني، مؤكداً أن المباني المتضررة والخيام البالية لم تعد تشكل أي ملاذ آمن في ظل الظروف الجوية القاسية.

خيام لا تصلح للحياة

في موازاة ذلك، أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة أن 127 ألف خيمة من أصل 135 ألف خيمة للنازحين أصبحت غير صالحة للإقامة، في مواجهة المنخفض الجوي القطبي شديد البرودة. وقال رئيس المكتب إسماعيل الثوابتة إن أزمة الإيواء والأغطية ووسائل التدفئة في القطاع بلغت مستويات «حادّة وخانقة»، لا سيما في المناطق النائية والمعزولة.

وأوضح الثوابتة أن نسبة النقص في الأغطية ووسائل التدفئة تتجاوز 70% على مستوى القطاع، وترتفع إلى نسب أخطر في بعض المناطق، مشيراً إلى أن هذه الأزمة ليست ظرفية، بل نتيجة مباشرة لسياسات الاحتلال القائمة على التدمير الشامل والإغلاق الكامل للمعابر.

وبيّن أن الاحتلال دمّر نحو 90% من البنية العمرانية في قطاع غزة، وشرّد أكثر من مليوني إنسان، وترك أكثر من 288 ألف أسرة دون مأوى. وأضاف أن الإغلاق الكامل للمعابر منذ أكثر من 500 يوم، بينها أكثر من 220 يوماً متواصلة، ومنع دخول ربع مليون شاحنة مساعدات ووقود، تسبّب في هذا العجز المتراكم.

استهداف الإيواء والمساعدات

وأشار المكتب الإعلامي الحكومي إلى أن الاحتلال استهدف بشكل متكرر مراكز الإيواء وتوزيع المساعدات، حيث جرى قصف 303 مراكز إيواء و61 مركزاً لتوزيع الغذاء منذ بدء الحرب في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023. ونتيجة لذلك، باتت معظم الأسر النازحة بلا وسائل تدفئة، ما يضطر الأطفال والنساء وكبار السن إلى النوم على الأرض داخل خيام مهترئة لا تقي من الرياح أو المطر.

وأكد الثوابتة أن أزمة الأغطية ووسائل التدفئة أدّت إلى تسجيل عشرات آلاف الإصابات بأمراض تنفسية ومعدية، في وقت يعاني فيه القطاع من تدمير 38 مستشفى وتعطيل 96 مركز رعاية صحية، ما صعّب التعامل مع الحالات المرضية ورفع احتمالات الوفاة بين الرضع وكبار السن والمرضى.

انهيار صحي وأمراض متفشية

في السياق ذاته، حذر مدير مجمع الشفاء الطبي الطبيب محمد أبو سلمية من انتشار فيروسات تنفسية يُرجّح أنها من سلالات متحورة من الإنفلونزا أو فيروس كورونا، مؤكداً أن هذه الفيروسات تفتك بالفلسطينيين في ظل انهيار المناعة الناتج عن التجويع والحصار، والعجز الحاد في المنظومة الصحية.

من جهته، قال المدير العام لوزارة الصحة في غزة منير البرش إن المأساة الإنسانية تتفاقم بالموت بسبب البرد وانهيار البيوت، مؤكداً أن الاحتلال الإسرائيلي يستخدم سياسة القتل البطيء بحق سكان القطاع. وأعلن ارتفاع عدد الأطفال الذين توفوا بسبب البرد إلى 7، فيما استشهد أكثر من 24 مواطناً نتيجة انهيار البيوت، محذراً من كارثة أكبر إذا لم يتم إدخال المساعدات العاجلة.

وأشار البرش إلى أن المعابر مغلقة أمام الغذاء الحقيقي والأدوية الضرورية، وأن الشاحنات لا تدخل محمّلة بالدواء رغم الحاجة الماسة إليه، لافتاً إلى تناقص المخزون الدوائي ومنع إدخال الأدوية الأساسية. كما حذّر من تزايد حالات سوء التغذية بين الأطفال والأمهات، وتسجيل حالات إجهاض مبكر بسبب نقص الغذاء.

أرقام صادمة ومعاناة مفتوحة

وأفاد المكتب الإعلامي الحكومي بارتفاع عدد الوفيات الناجمة عن موجات البرد القارس منذ دخول فصل الشتاء إلى 7 شهداء من الأطفال، فيما بلغ إجمالي عدد الضحايا منذ بدء حرب الإبادة وحتى الثلاثاء 13 يناير/كانون الثاني 2026، 24 شهيداً، جميعهم من نازحي مخيمات الإيواء القسري، من بينهم 21 طفلاً. كما أشار إلى انجراف أكثر من 7000 خيمة خلال يومين فقط بفعل الرياح العاتية وشدة المنخفض الجوي.

بدوره، قال رئيس شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية إن نحو 10 آلاف أسرة على شاطئ غزة تعرضت للغرق وتطايرت مساكنها المؤقتة، مؤكداً أن الوضع الحالي هو الأسوأ منذ بدء المنخفضات الجوية، في ظل منع إدخال المواد الطبية ومستلزمات الإيواء، وتضليل الاحتلال بشأن أعداد الشاحنات التي تدخل القطاع.

ورغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر الماضي، لا تزال إسرائيل تمنع إدخال مواد البناء وتعطّل عملية إعادة الإعمار. وكان الاتفاق قد أنهى حرب إبادة جماعية استمرت عامين منذ 8 أكتوبر 2023، وأسفرت عن أكثر من 71 ألف قتيل فلسطيني، وما يزيد على 171 ألف جريح، ودمار هائل طال 90% من البنى التحتية المدنية، بتكلفة إعمار قدرتها الأمم المتحدة بنحو 70 مليار دولار.

نداء أخير قبل فوات الأوان

في ظل هذا المشهد القاتم، يؤكد المسؤولون في غزة أن ما يجري ليس مجرد أزمة إنسانية عابرة، بل سياسة ممنهجة من القتل البطيء والتجويع والتشريد. ومع استمرار البرد القارس، وغياب الإيواء الآمن، ومنع إدخال المساعدات ووسائل التدفئة، تتحول الخيام والمنازل المدمرة إلى مصائد موت يومية.

ويطالب المكتب الإعلامي الحكومي، ووزارة الصحة، والدفاع المدني، وحركة حماس، المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية والحقوقية، بالتحرك الفوري والعاجل لتوفير مراكز إيواء آمنة، وإدخال مستلزمات التدفئة والإغاثة دون قيود، والعمل على إنقاذ ما تبقى من الأرواح، قبل أن يتحول الشتاء في غزة إلى فصل جديد من فصول الإبادة الجماعية الصامتة.

Exit mobile version