في صنعاء، حيث تتعدد السجون وتتغير مسمياتها بينما يبقى بابها واحدا، يدخل المعتقلون معصوبي الأعين، ويخرجون من ذواتهم قبل أن يخرجوا من أبواب الزنازين. هناك، لا يعود الاسم مهما، ولا المهنة ذات معنى، ولا السيرة الشخصية سوى سطر يُمحى ليُستبدل برقم يُنادى به صاحبه فيجيب.
أسماء مثل عدنان الحرازي، علي المضواحي، محمد المياحي، خالد العراسي وغيرهم، تحولت من شخصيات فاعلة في مجتمعها إلى أرقام في سجلات سلطة لا ترى في الحكم سوى استعراض للقوة، ولا في السجون سوى مساحة لإثبات حضورها. سلطة تقيس هيبتها بعدد الزنازين الممتلئة، لا بعدد القضايا المنصفة أو الحقوق المصانة.
علي المضواحي، الطبيب الذي اختار أن يؤدي واجبه المهني، وجد نفسه خلف القضبان، فيما زوجته تواصل عدّ الأيام والساعات منذ لحظة اعتقاله. تقول إن ذنبه الوحيد أنه أراد خدمة وطنه، لكن ذلك بدا في نظر السلطة تجاوزا غير مقبول. في السجن، لم يعد طبيبا ولا أبا لطفلة تنتظره، بل رقما يُستدعى في طابور طويل من الأرقام.
أما محمد المياحي، فقد صدر بحقه حكم قضائي بالإفراج من محكمة تابعة لسلطة صنعاء، غير أن الحكم بقي حبرا على ورق. جهة أخرى داخل المنظومة ذاتها قررت أن بقاءه في السجن أولى من تنفيذ قرار المحكمة. وهكذا أصبح الإفراج مشروطا برغبة نافذ أو مشرف أمني، لا بميزان العدالة أو نص القانون.
عدنان الحرازي، المهندس وصاحب شركة برودجي سيستمز، يقبع في المعتقل بينما شركته تتعرض لعمليات نهب متكررة ومنظمة، في مشهد يعكس ازدواجية السلطة بين الحبس والتجريد من الممتلكات. لم يكن الرجل مجرد مستثمر، بل نموذجا لقطاع خاص يجد نفسه مكشوف الظهر أمام قرارات لا تستند إلى مسار قضائي واضح.
خالد العراسي، الإعلامي الذي لم ير في نقد الفساد جريمة، وجد نفسه معتقلا للمرة الثانية لدى الجهة التي كان يعد نفسه جزءا منها. بالنسبة له، بدا أن الكلمة الحرة أثقل من أن تُحتمل، وأن الصمت كان الخيار الأكثر أمانا، لكنه اختار غير ذلك فكان السجن مصيره.
في هذه القصص المتشابهة في تفاصيلها المختلفة، تتجلى صورة سلطة ترى في السجن مرآتها الأصدق. لا يُقاس الحكم فيها بمدى احترام القانون أو صيانة الحقوق، بل بعدد الأسماء التي تتحول إلى أرقام، وبعدد العائلات التي تعيش على وقع الانتظار والقلق.
هكذا يصبح المعتقل رقما، وتغدو العدالة مسألة مزاج، ويتحول السجن من إجراء استثنائي إلى أداة حكم. وبين جدار وآخر، تتآكل أسماء كانت يوما تنبض بالحياة، فيما يبقى السؤال معلقا: أي سلطة تلك التي لا ترى نفسها إلا في امتلاء الزنازين؟

إبراهيم الكبسي: لا سعادة لمسؤول في وطن موجوع
أزمة نقدية تضرب صنعاء.. اختفاء فئة الألف ريال واستبدالها بعملات تالفة ومعدنية
رئيس مجلس القيادة يهنئ الملك سلمان وولي العهد بذكرى يوم التأسيس السعودي
مدير مكتب “المحرمي” مهاجما “عيدروس” إثر أحداث معاشيق: “من رحّب بإسرائيل لا يحق له رفض الخدمات”