
لا يمكن للمهتمين بالحالة الإيرانية – ناهيك على الدراسين – أن يغفلوا عن حقيقة عزلة إيران المزمنة، ليس من اليوم، ولكنها عزلة تاريخية أسهمت عدة عوامل في تجسيدها، مثل الجغرافيا والمذهب والثقافة والتكوين الذهني والسيكولوجي، حيث تذهب التيارات القومية إلى تميز الإيرانيين وفرادتهم التي تجعلهم يشعرون بالعزلة عن الآخرين، ذلك التميز الذي يتجلى على المستويات اللغوية في الفارسية، وعلى المستويات المذهبية في الإمامية، ما يجعل إيران غير قادرة على بناء تحالفات استراتيجية مع الخارج، حسب بعض الدارسين.ويذهب البعض إلى أن لموقع إيران المحصور بين عدد من الحضارات والقوميات والأعراق، مثل الصينيين والهنود والروس والترك والعرب، لهذا الموقع أثر في تلك العزلة، حيث إن العقلية السياسية الإيرانية لم تستوعب أهمية هذا الموقع في بناء علاقات مفيدة، الأمر الذي حرمها من استثمار موقعها، وجلب لها مزيداً من العزلة الدولية، رغم امتداد حدودها، على تخوم حضارات وثقافات مختلفة، وهو ما جعلها تعاني من متلازمة شعورين متناقضين: الأول شعور مرير بالعزلة، والثاني شعور مُلح بالحاجة لكسر تلك العزلة.هذان الشعوران يمكن على ضوئهما فهم بعض جوانب السياسة الإيرانية، على مستويي: الخطاب والممارسة، حيث يدفع الأول إلى تعميق الثاني، أو يدفع الشعور بالعزلة إلى تكريس الرغبة في التوسع، وتجاوز الحدود الجغرافية، تحت مبررات مختلفة، وهو السلوك الذي اتبعه النظام الحالي، الأمر الذي كرس مزيداً من العزلة الدولية لإيران الثورة والدولة، على السواء.إن الشعور بالعزلة ليس مجرد تخاطر ذهني وعاطفي بين النخب الإيرانية المختلفة، ولكنه واقع ملموس، وليس النظام الحالي وحده ما يعاني منه، بل إن شاه إيران محمد رضا بهلوي كان يشكو دائماً من العزلة، وكان يبحث عن سبل كسر تلك العزلة. ومرة سأل مستشاريه عن السبل التي تمكنه من كسر الحدود غرباً، باتجاه العرب، فكان الرد أنه لا سبيل إلى ذلك إلا إذا “تسننت إيران، أو تشيع العرب”، في إشارة إلى دور العامل المذهبي في تشكيل هذه العزلة.ومن المفارقات العجيبة في التاريخ أن الصفويين، وهم سلالة تركية تشيعت، عملوا بالقوة على تحويل إيران من التسنن إلى التشيع، رغبة في عزلها عن محيطها السياسي السني، وأملاً في التمايز عن أقرانهم الأتراك العثمانيين، على اعتبار أن التمايز المذهبي يعطي الصفويين تمايزاً سياسياً عن نظرائهم العثمانيين، وقد تحقق لهم بالفعل ما أرادوا، فتحولت مدن كانت – قبل الصفويين – تشكل مراكز تواصل حضاري وثقافي وعلمي، يمتد من أواسط آسيا إلى جنوب إسبانيا، تحولت تلك المدن إلى عزلة عن محيطها الواسع، وهي العزلة التي لا تزال مستمرة إلى اليوم، رغم مضي قرون على حكم الصفويين.ورث النظام الذي أسسه الراحل الخميني الشعور ذاته بالعزلة، وإن بدرجة أشد، مما كان يعانيه نظام الشاه. وإذا تمحور الحل المعروض على الشاه – لكسر العزلة – حول “تسنين إيران أو تشييع العرب”، فإن الخميني اختار – لكسر العزلة – “تشييع العرب”، فكان أن وضع ضمن دستوره مبدأ مهما، لتحقيق هذا الهدف، وهو المبدأ المعروف بـ”تصدير الثورة الإسلامية” الذي يعني حرفياً “تصدير التشيع”، والذي رأينا تجلياته في الحرب الإيرانية على العراق، وما تلاها من تدخلات إيرانية، ودعم لميليشيات طائفية أنشأها النظام لهذا الغرض.يمكن فهم سلوك “إيران الثورة” – في جانب منه – على ضوء هذا الشعور بالعزلة، في بعدها الطائفي، وهو ما تحاول طهران التغلب عليه بمسالك أمنية وعسكرية وسياسية، تستند إلى نصوص دستورية، وشعارات كبيرة، تسوغ لها – من منظورها الخاص – تخطي حدودها الجغرافية إلى آفاق أوسع، حتى وإن أدى ذلك السلوك إلى تجاهل حقائق التاريخ والجغرافيا.وبما أن النظام الإيراني نظام أيديولوجي ديني في المقام الأول فإنه بدا عاجزاً عن إقامة علاقات دولية، ضمن الأطر الطبيعية للعلاقات بين الدول المختلفة، حيث يصعب إقامة تلك العلاقات بين منظومتين مختلفتين – إحداهما أيديولوجية والأخرى سياسية – بشكل سليم، وهو ما جعل النظام يلجأ لإنشاء علاقات مع جماعات متجانسة معه طائفياً وأيديولوجياً، على حساب العلاقات الطبيعية مع الحكومات.
إذا كانت إيران قد اعتمدت “الأسلوب الخشن” في “التوجه غرباً”، باتجاه العرب، لكسر عزلتها، فإنها اعتمدت – في المقابل – “الأسلوب الناعم”، في “التوجه شرقاً” باتجاه الصين وروسيا، لكسر تلك العزلة
وما تمسك إيران بدعم الميليشيات الأيديولوجية المرتبطة بها، إلا انعكاس لمحاولات طهران كسر العزلة التي تعاني منها، عن طريق التوسع الخارجي، وما تسخيرها كل إمكاناتها، وتعريض نفسها للخطر في سبيل برنامجيها: النووي والصاروخي، إلا انعكاس لمخاوفها من حرب مدمرة، تستشعرها بفعل حنينها الدائم للتوسع، وهو ما يجعلها تدرك أن ثمن التوسع سيكون حرباً، لن يحميها منها إلا سلاح رادع.
وقد تجلت ملامح العزلة التي تعيشها إيران في وقوفها دون حلفاء، في الحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها، حيث تركت دون إسناد حقيقي إلا من بعض إدانات صدرت خافتة من هنا وهناك. كما تجلت هذه العزلة في الإدانات الدولية والأممية التي توجت بإدانة مجلس الأمن الدولي، لاعتداءاتها على دول الخليج العربي والأردن، ناهيك على عزلتها الإقليمية، بسبب سجلها الحافل في إذكاء الصراعات الطائفية، وتدخلاتها في الشؤون الداخلية لدول الجوار.
وإذا كانت إيران قد اعتمدت “الأسلوب الخشن” في “التوجه غرباً”، باتجاه العرب، لكسر عزلتها، فإنها اعتمدت – في المقابل -+”الأسلوب الناعم”، في “التوجه شرقاً” باتجاه الصين وروسيا، لكسر تلك العزلة، عبر المسالك السياسية والاقتصادية، وذلك بالالتحاق بعدد من التجمعات الإقليمية، الاقتصادية والسياسية، مثل منظمة شنغهاي، ومجموعة البريكس، رغم غياب الفاعلية الإيرانية، ضمن هذه التجمعات، لأسباب منها ما هو داخلي يعود لنمط صناعة السياسات، في دولة يتحكم نهجها الأيديولوجي في سلوكها السياسي، ومنها ما هو خارجي يعود إلى الخلل في العلاقات الدولية للنظام، وهو سبب مرتبط بالسبب الداخلي المذكور.
وفوق ذلك، حاول النظام الاستثمار اقتصادياً في جعل إيران ممراً تجارياً، ومركزاً عالمياً للطاقة، عبر مشاريع تأتي ضمن مبادرات “الشمال/الجنوب”، وذلك بالعمل على إحياء الطريق الذي يربط روسيا بالهند عبر إيران، والعمل على التحكم بالطرق البرية الأخرى، مثل ممر زنغزور الذي يربط بين أقاليم أذربيجان، عبر أراضي أرمينيا، والذي يمكن أن يربط وسط آسيا بأوروبا، عبر الأراضي التركية، غير أن تلك المحاولات الإيرانية لم تنجح، لأسباب متشابكة سياسياً واقتصاديا، لتظل العزلة سمة ملازمة لإيران الدولة والثورة، حتى تحين لحظة التغير الحقيقي الذي إن حدث، فربما تعود إيران دولة طبيعية، داخل حدودها، مع علاقات خارجية تساعد على كسر عزلتها التاريخية.

الحرية للمحامي عبد المجيد صبرة
متى سنسمع: نُفِّذ… لا صُدَّ فقط؟
بين نتنياهو وجنكيز خان.. هكذا يطغى منطق الإبادة وأوهام العظمة الزائفة