بعد “زلزال الضفة”.. هذه هي خيارات “السلطة”

عريب الرنتاوي

ستنتهي موجات الإدانة للقرارات الإسرائيلية الأخيرة بخصوص الضفة الغربية، كزوبعة في فنجان، فلا الدول العربية والإسلامية ألمحت إلى احتمال اتخاذ إجراءات عقابية بحق إسرائيل، ومن باب أولى، لم تفعل العواصم الغربية ولا المنظمات الدولية شيئا كهذا، وما هي سوى أيام أو أسابيع، حتى تأخذ هذه التصريحات والبيانات “الغاضبة” مكانها الطبيعي في “أرشيف” وزارة الخارجية الإسرائيلية، فيما جرافات الاستيطان ستواصل زحفها كالمعتاد: قضم الأرض والحقوق والمقدسات، وتدمير بنية المجتمعات الفلسطيني ووحدتها وتماسكها.

أما “الرفض الأمريكي” الخجول للقرار، والمنسوب لمصدر مجهول كما العادة في مثل هذه الحالات، فهو أقرب للتأييد المبطن، لا سيما إن أخذنا بنظر الاعتبار أن إدارة ترمب، تتابع بلا حراك، فصول “نهب الضفة الغربية وقمع سكانها”، وكأنها تقرأ من مسرحية لا تستحق التعليق.

أما السلطة الفلسطينية التي تشتعل النيران في أحضانها التي ظنتها حصينة ذات يوم (مناطق أ و ب)، فهي في وادٍ آخر تماما، منهمكة بإعداد دستور لـ “دولة افتراضية”، لا “جغرافيا لها، ومشغولة بتحصين “نظامها السياسي” ضد أي اختراق ممن تسول لهم أنفسهم التسلل إلى صفوفها عبر صناديق الاقتراع، من جبهات الرفض والمقاومة والإسلام السياسي.

ما بعد هذه القرارات ليس كما قبلها

إسرائيل تمحو بقراراتها الأخيرة خرائط أوسلو “الوهمية”، تسقط برتوكول الخليل ومعه القوانين الأردنية النافذة في الضفة، وتطلق العنان لغول الاستيطان، ليعيث فسادا في “المركز” وليس في “الأطراف” فحسب، تضع يدها بجرة قلم، على مساحات شاسعة من الأراضي “الأميرية” والمواقع الأثرية والدينية، ومساقط المياه، بلا ضوابط، وتحيل كل فلسطيني إلى مشروع “بائع” وكل مستوطن إلى مشروع “مشترٍ” لأي عقار، أرضا كان أم وحدة سكنية، بلا حسيب ولا رقيب، فلا قانون سينظم هذه العملية سوى “قانون الاستيطان”، ولدينا ما يكفي من الأسباب للقول بأن ما بعد هذه القرارات، ليس كما قبلها:

ابتلاع الأرض، يجري جنبا إلى جنب مع محاولات تشتيت وتشريد الشعب، وعزله في “بانتوستانات” تفصلها عن بعضها البعض، مئات الحواجز والبوابات الحديدية، توطئة لدفعه إلى شتات جديد، بعد تهجير قسري، بأدوات أمنية واقتصادية واجتماعية، تجعل فرص الحياة، صعبة للغاية، إن لم نقل مستحيلة.

ووفقا للرؤية الإسرائيلية التي أماطت القرارات الأخيرة اللثام عن بعض جوانبها، فإن السلطة مطروحة لخيارين، لا ثالث لهما: “الحلِ”، قبل الانتقال إلى مشروع “روابط المدن” أو “الإمارات الفلسطينية السبع غير المتحدة”، أو إبقائِها بهدف إنجاز “ترانسفير قانوني” للفلسطينيين، حال تعذر تنفيذ “الترانسفير الفيزيائي” لهم. و”الترانسفير القانوني” يستلزم وجود هيئة تمنح الفلسطينيين وثائق سفر وجنسية، حتى لا تضطر تل أبيب للتعامل مع “فائض الديمغرافيا” الفلسطينية. في ظني أن اليمين الفاشي ما زال منقسما على ذاته حول أي من هذين الخيارين يتعين اعتماده.

إن أخطر ما يواجه الشعب الفلسطيني وقضيته وكفاحه، هو أن تتحول مؤسساته وقيادته و”ممثله الشرعي” إلى أداة في لعبة إقليمية-دولية لتقطيع الوقت، الذي يبدو اليمين الفاشي بأمس الحاجة إليه لاستكمال مشروع نهب الأرض

ما العمل، وبمَ نبدأ؟

هو زلزال تستحدثه حكومة نتنياهو يضرب الضفة بأعلى تدريجات “ريختر”، لا يمكن مواجهته بمواصلة اليوميات المعتادة للسلطة والفصائل والقوى الوطني والشعب الفلسطيني (أهل الضفة أساسا)، ويتعين مقابلته بـ”زلزال” آخر، سيكون فاعلا بحسم، إن كانت بؤرته (مركزه) في رام الله، و”المقاطعة” على وجه التحديد.

وتبدأ إرهاصات الزلزال المقابل، بخروج الرئيس عباس وقيادة فتح والسلطة والمنظمة، إلى الدوحة، أو القاهرة، أو إسطنبول، للقاء قادة فصائل العمل الوطني والإسلامي الفلسطينية، وعقد مؤتمر وطني فلسطيني جامع بمشاركة آلاف الشخصيات الوطنية الفلسطينية، من الداخل والخارج، يتقدم أمامه الرئيس باستقالته (ويفضل أن ينضم إليه نائبه وعدد من المسؤولين عن هذا المسار الخرب)، معلنا نهاية حقبة من الأوهام والرهانات الخائبة، ومدشنا مرحلة انتقال القيادة إلى “إطار وطني مؤقت”، يتولى بدوره التذاكر والتفاكر في إستراتيجية المرحلة المقبلة.

كما يولي، بخاصة، الاهتمام ببعث، تجديد، وتشبيب، منظمة التحرير، ونقل الصلاحيات السياسية (السيادية) من السلطة إليها، أو إجلاس الهرم على قاعدته، بعد أن كان مقلوبا على رأسه، والشروع في ترجمة مطلب إعادة تعريف وظائف السلطة، بالتخلي عن “التنسيق الأمني”، وإعلان وفاة أسلو برصاصة إسرائيلية في رأسه، وإعادة النظر في أولويات المرحلة المقبلة، والكف عن التلهي بمشاريع “دسترة” السلطة، وإصلاحها وفقا لدفتر الشروط الإسرائيلية.

لا مطرح للمضي في مسرحية الانتخابات، أقله لسنوات عديدة قادمة، فلا الوضع في غزة يسمح بذلك، ولا الوضع في الضفة الغربية ينبئ بالخير، والعودة لصيغ “التوافقات الوطنية”، مؤقتا وانتقاليا على أقل تقدير، يبدو خيارا اضطراريا.

ويتعين سحب القوانين “بمراسيم” المذلة التي جرى إقرارها مؤخرا، وإرجاء التوقيتات المضروبة لإنجاز استحقاقات، لم تكن مصممة أساسا لاستنقاذ الحالة الفلسطينية، بل لمزيد من التماهي مع مخرجات الحل الأمريكي-الإسرائيلي للقضية الفلسطينية.

بدل الغرق في طوفان انتخابات مركبة: بلدية، تشريعية، مجلس وطني، رئاسية، أحسب أن الشعب الفلسطيني في المرحلة المقبلة، بحاجة لاثنتين منها: انتخابات بلدية في المحتل من الوطن، ومجلس وطني في الداخل والشتات، فلا جدوى من إجراء انتخابات رئاسية، فيما “الدولة” تحضر على الورق فقط، وفي الأروقة الأممية، أما على الأرض، فلا دولة ولا سلطة.

ولا حاجة لثنائية التشريعي والوطني، من على قاعدة وحدة الأرض والشعب والقضية. المجلس الوطني (المنتخب حيثما أمكن)، والمعين توافقيا إن تعذرت الانتخابات، والمنتقاة عضويته من بين قيادات منتخبة (نقابات، جاليات، اتحادات، منظمات شعبية وغيرها)، هو الكيان التمثيلي للشعب، كل الشعب.

قبل الحديث عن “دمقرطة” النظام السياسي الفلسطيني، يتعين أن يكون هناك “نظام أولا”، لكي تجري “دمقرطته”، واليوم، يتعين أن تكون هناك “فلسطين أولا”، حتى يصبح ممكنا الحديث عن “نظامها”، وقبل القفز إلى “الدولة” و”الدستور”، يتعين التفكير بأبجديات “مرحلة التحرر الوطني”، وما إذا كان الشعب الفلسطيني يقترب أم يبتعد عن إنجاز مهامها.

ندرك أن مبادرة كهذه، لن تصدر عن رام الله و”مقاطعتها”، ولكن التذكير بعناوين مشروع الرد على “الزلزال” الإسرائيلي، ما زال في ظننا، يكتسب أهمية فائقة، فإن تعذرت الاستجابة وصحوة الضمير الوطني عند المتنفذين في مطبخ القرار الفلسطيني، فلا بأس أن تكون تلك مقدمات لبرنامج (مشروع) وطني، تحمل رايته طلائع الشعب وقواه الوطنية المناضلة، وإضاءة على طريق إعادة بعث وتجديد الحركة الوطنية الفلسطينية، وإعادة تعريف “المشروع الوطني الفلسطيني”،

إن أخطر ما يواجه الشعب الفلسطيني وقضيته وكفاحه، هو أن تتحول مؤسساته وقيادته و”ممثله الشرعي” إلى أداة في لعبة إقليمية-دولية لتقطيع الوقت، الذي يبدو اليمين الفاشي بأمس الحاجة إليه لاستكمال مشروع نهب الأرض وتشريد سكانها وأصحابها، وغالبا تحت شعارات زائفة ومضللة، ظاهرها فيه الرحمة، وباطنها فيه الخراب.

إنها الفرصة المتبقية لقرع “جدران الخزان”، وطرقها بقوة، قبل أن تلفظ قضية فلسطين، أنفاسها الأخيرة، احترارا واختناقا، وقبل أن تنفد من بين يدي أهلها، عناصر القوة والاقتدار التي ما زالت بحوزتهم، والتي لا ينفي وجودها، أو يقلل من شأنها، سوى ملتبس أو مهزوم.

Exit mobile version