بقلم :د. علي العسلي
ليست تعز مدينةً عابرةً في جغرافيا اليمن، ولا محطةً ظرفيةً في تاريخه السياسي؛
إنها خلاصة المعنى اليمني حين يتجسّد علمًا وثقافةً ومدنيةً وصلابة.
مدينةٌ لا تُقرأ بحدودها الإدارية، بل بوصفها فكرةً وطنيةً حيّة؛
كلما ضاقت البلاد اتسعت فيها، وكلما انكسر الأمل نهض من بين حجارتها.
والحديث عن تعز ليس حديث خدمةٍ مؤجَّلة… بل حديث دولةٍ مؤجَّلة؛
فالمدن التي تصنع الوعي لا يجوز أن تُترك أسيرة الانتظار.
حين كانت تعز عاصمةً للدولة الرسولية، لم تكن مركز حكمٍ فحسب، بل مركز إشعاع حضاري،
ازدهرت فيه العلوم والفنون والعمران، واتسعت فيه التجارة، وتجسّدت روح الدولة التي توازن بين القوة والعدالة والرقي.
ولم يكن ذلك المجد صدفةً في كتاب التاريخ، بل تعبيرًا مبكرًا عن طبيعة هذه المدينة التي لا تصنع الحدث فحسب… بل تصنع التحوّل.
وعلى امتداد القرون ظلّ أهل تعز أوفياء لجوهرهم المدني؛
ترتفع فيها نسبة التعليم، وتفيض بالكفاءات، وينتشر أبناؤها في مؤسسات الدولة والجامعات داخل اليمن وخارجه.
وحتى في أحلك سنوات الحرب، بقيت السياسة فيها فعلَ اختلاف مشروع لا قطيعة وطنية، وبقي المجتمع حيًّا حين ماتت حوله المعاني.
غير أنّ المدينة — محافظةً وإنسانًا — التي صنعت الوعي دفعت الثمن مرّتين:
مرّة حين حاصرها الانقلاب بالسلاح،
ومرّة حين خذلتها الاختلالات بالإدارة.
حصار طويل، طرقات مقطوعة، خدمات منهارة، جبايات منهِكة، وتقاطعات نفوذ أضعفت الثقة…
حتى غدت معاناة تعز اختبارًا صريحًا لقدرة الدولة على حماية آخر نماذجها المدنية.
ومع ذلك، صنع أهلها — في الحواضر والبوادي — في زمن الحروب ما لم تصنعه دول مستقرة؛
فبنوا وحدات صحية، وشقّوا طرقًا وعرة، ورصّوا دروبًا أكلتها السيول وأنهكها تقادم السنين، وأقاموا مدارس، ونسجوا نماذج مدهشة من التعاون والتكافل…
كأنهم كانوا يدافعون عن فكرة الدولة ذاتها في اللحظة التي غابت فيها الدولة.
وحين زار فخامة الرئيس الدكتور رشاد العليمي تعز في الثامن والعشرين من أغسطس 2024،
لم تكن الزيارة بروتوكولًا عابرًا، بل لحظة مصارحة بين الدولة وضميرها.
استقبال شعبي عبّر عن تعطّش عميق لحضور الدولة، ورسالة واضحة بأن تعز ما تزال ترى في الشرعية أفق الخلاص لا عبء الواقع.
كانت تلك الزيارة وعدًا ضمنيًا بأن ما بعد الرؤية ليس كما قبلها…
لكن الزمن يمضي، والسؤال يكبر: ماذا تغيّر؟
وحين يتأخّر التغيير بعد إنذار واضح، يغدو التغيير نفسه واجبًا سياديًا وقرارًا لا يحتمل التأجيل؛
لأن هيبة الدولة لا تُصان بالشعارات… بل تُصنع بالقرارات.
لقد تحدّث الرئيس عن التفكير غير التقليدي، وليس في اليمن اليوم ساحة أحق بهذا التفكير من تعز؛
فالمقاربات التي أدارت الأزمة طويلًا لم تُنتج استقرارًا، والحلول التي تدور في الإطار ذاته لا يمكنها أن تصنع واقعًا مختلفًا.
والتفكير غير التقليدي هنا يعني الانتقال:
- من إدارة الأزمة إلى صناعة النموذج،
- ومن توازنات النفوذ إلى سيادة المؤسسة،
- ومن الوعود المؤجَّلة إلى قرارات قابلة للقياس والمساءلة.
ولهذا فإن أي معالجة جادّة لا بد أن تبدأ بخطوة واضحة:
إدارة المخا بوصفها موقعًا استراتيجيًا متقدّمًا لتعز، وتحرير الحوبان بوصفه أولوية لا تحتمل التأجيل؛
ثم إصلاح شامل في بنية القيادة العسكرية والأمنية والإدارية يعيد توحيد القرار، ويرفع كفاءة الأداء، ويغلق منافذ الفوضى التي أنهكت المدينة طويلًا؛
فالدولة لا تستعيد حضورها بتدوير الأزمات… بل بتجديد أدواتها وصناعة واقع جديد.
وفي قلب هذا التحوّل تقف المخا…
لا كمدينة ساحلية تعزية فحسب، بل كبوابة اقتصادية لليمن كلّه.
تحرّرت من قبضة الحوثي، لكنها لم تُستعد بعد إلى فضائها التعزّي الكامل،
وباتت تُوصَف بتوصيفات خارج تعزيتها؛
كأنها خرجت من قبضة الحرب… لتبقى رهينة الحسابات والمتغيّرات المحيطة محلّيًا وإقليميًا.
إن إعادة وصل المخا بتعز إداريًا وتنمويًا وأمنيًا ليست مطلبًا مناطقيًا، بل ضرورة وطنية؛
فمن هناك يمكن أن يبدأ الإنعاش الحقيقي:
ميناء يعمل، صناعة تنمو، ماء يُحلّى، كهرباء تضيء…
وحين تدور عجلة الساحل التعزّي… يتنفّس الجبل.
والأمر ذاته ينطبق على الحوبان…
العين الاقتصادية لتعز، وبوابتها نحو عدن وصنعاء؛
حيث ينبغي أن يبدأ قرار التحرير عسكريًا بالتوازي مع التحرير الاقتصادي،
ليعود القطاع الخاص شريكًا في الدولة لا رهينةً للحرب،
ولتعود الضرائب إلى خزينة القانون… لا إلى خزائن الفوضى.
أمّا تعز الكبرى، فإن قدرها التاريخي أن تكون عاصمة التعليم اليمني بلا منازع؛
مدينة تستوعب العقول النازحة، وتفتح جامعاتها لكل اليمنيين،
وتحوّل المعرفة إلى جسر للسلام والتنمية والتطوّر، المواكب لمتطلبات السوق والإقليم والعالم.
فحين تقود تعز ثورة التعليم بجودة أرقى… تقود اليمن إلى أقصر الطرق نحو المستقبل.
ومن هنا، فإن فكّ حصار تعز ليس فتح طريق بريّ فحسب،
بل فتح أفق استراتيجي نحو العالم:
مطار يعمل، وميناء يتصل بأفريقيا،
ومركز تجارة إقليمي، ونقطة توازن اقتصادي تعيد لليمن حضوره المفقود.
ولعلّ ما يُتداول عن مشاريع مرتقبة بدعم سعودي — قد يشمل تحلية مياه بحر المخا وربطها بمدينة تعز —
يفتح نافذة أمل حقيقية؛
فالدعم حين يلتقي إدارة كفؤة يصنع نهضة،
وحين يلتقي الفوضى يتحول إلى رقمٍ منسيّ في التقارير.
إن تعز اليوم لا تحتاج خطابًا جديدًا… بل قرارًا تاريخيًا جديدًا؛
قرارًا يجسّد التفكير غير التقليدي، ويحوّل الوعود إلى واقع، والثقة إلى مؤسسات، والانتظار إلى بداية.
قرارًا يعيد للدولة حضورها، وللمجتمع ثقته، وللمستقبل معناه؛
قرارًا يقول إن المدن التي صبرت طويلًا لا تُكافأ بالانتظار… بل بالإنصاف.
لأن تعز حين تنهض…
لا ينهض معها حجرٌ في الجبل فحسب،
بل ينهض معنى الدولة في وجدان اليمنيين جميعًا.
وحين تُدار تعز بالكفاءة والعدالة،
فلن تكون قصة محافظةٍ نجحت،
وسيكون نجاحها برهانًا حيًّا على قدرة وطن على الصمود رغم الحرب.
فإنقاذ تعز ليس شأنًا محليًا…
بل لحظةٌ فاصلة في تاريخ الدولة اليمنية نفسها.
فالمدن العظيمة لا تطلب امتيازًا، بل تثبت أنها تستحق الحياة…
وتعز — كما كانت دائمًا — لا تنتظر أكثر من فرصة عادلة… لتصنع المعجزة اليمنية من جديد.

حين تمرّ الأحداث الجِسام مرور الكرام… من يحاسب ممولي الفوضى؟
نخر من الداخل.. انهيار الهيبة الأمريكية
تركيا وأردوغان في وثائق إبستين.. ما الذي تخبرنا به المراسلات المسربة؟
صناعة النموذج… الطريق الأصعب نحو استعادة الدولة