خمسون عاماً على يوم الأرض الفلسطيني: صمود ديموغرافي وتآكل في الجغرافيا والسياسة

فلسطين – الوعل اليمني 

في الذكرى الخمسين ليوم الأرض، لا يعود استحضار الحدث مجرد استذكار تاريخي، بل قراءة مفتوحة لمسار ممتد من الصراع على الأرض والهوية، في ظل تحولات سياسية وإقليمية متسارعة تعيد تشكيل القضية الفلسطينية على نحو غير مسبوق. فمنذ هبّة الثلاثين من آذار/مارس 1976، التي فجّرها قرار مصادرة نحو 21 ألف دونم من أراضي الجليل، لم يتوقف الاشتباك بين الفلسطيني وأرضه، وإن تغيّرت أدواته وسياقاته.

ففي ذلك اليوم، أعلن فلسطينيو الداخل إضراباً عاماً، وخرجوا في مسيرات من الجليل إلى النقب، لتتحول المواجهة إلى محطة مفصلية في الوعي الوطني، بعدما أسفرت عن سقوط شهداء ومئات الجرحى والمعتقلين. ومنذ ذلك الحين، ترسّخ يوم الأرض كرمز جامع لوحدة الفلسطينيين، ودليل حي على أن الصراع في جوهره صراع على الوجود.

غير أن قراءة الحاضر تكشف مفارقة لافتة؛ إذ يتعزز الحضور الديموغرافي الفلسطيني، مقابل تآكل مستمر في الجغرافيا. فبينما ارتفع عدد الفلسطينيين في أراضي 48 من نحو 150 ألفاً بعد النكبة إلى ما يقارب 1.3 مليون اليوم، تتواصل سياسات المصادرة والاستيطان بوتيرة متسارعة، مستندة إلى منظومة قانونية وأمنية تُعيد تشكيل المكان بما يخدم المشروع الاستعماري.

وفي السياق ذاته، تؤكد معطيات ميدانية حديثة تصاعد الاعتداءات الاستيطانية، حيث سُجّل مئات الهجمات خلال فترة وجيزة، تركزت في محافظات الضفة الغربية، لا سيما نابلس والخليل ورام الله. وقد اتسمت هذه الاعتداءات بدرجة أعلى من التنظيم، وشملت إطلاق نار مباشر، وإحراق ممتلكات، وفرض وقائع ميدانية جديدة، في ظل غطاء رسمي واضح.

بالتوازي، تتسارع أوامر المصادرة وشق الطرق العسكرية، إلى جانب إجراءات إزالة الغطاء النباتي على مساحات واسعة، ما يعكس اندفاعاً منظماً نحو إعادة تشكيل الجغرافيا والديمغرافيا، خاصة في القدس ومحيطها. وتندرج هذه السياسات ضمن رؤية أوسع تستثمر الانشغال الإقليمي والدولي لتكريس وقائع يصعب التراجع عنها مستقبلاً.

وفي هذا الإطار، حذّرت جهات فلسطينية من أن تصاعد الأحداث الإقليمية، لا سيما في ظل التوترات بين القوى الكبرى، يهدد بتحويل القضية الفلسطينية إلى مجرد ورقة ضمن معادلات الردع، بدلاً من كونها قضية تحرر وطني. وهو ما يفتح الباب أمام اختزال الحقوق الفلسطينية في حسابات النفوذ، بعيداً عن جوهرها القانوني والإنساني.

على الصعيد الرسمي، دعت جامعة الدول العربية المجتمع الدولي، وفي مقدمته مجلس الأمن، إلى تحمل مسؤولياته وممارسة ضغط فعلي على سلطات الاحتلال لوقف انتهاكاتها، مشددة على ضرورة دعم صمود الفلسطينيين وتمكينهم من تجسيد دولتهم المستقلة وفق قرارات الشرعية الدولية. غير أن هذه الدعوات، كما يرى مراقبون، ما تزال تصطدم بغياب آليات إلزام حقيقية، ما يحدّ من تأثيرها على الأرض.

وفي مقابل هذا العجز السياسي، يبرز الصمود الشعبي كعنصر ثابت في المعادلة. إذ لم تتوقف الفعاليات الشعبية وإحياء ذكرى يوم الأرض، داخل فلسطين وخارجها، تأكيداً على التمسك بالأرض والهوية، وعلى أن الذاكرة الجمعية لا تزال حية رغم كل محاولات الطمس.

ومع دخول القضية الفلسطينية عقداً جديداً منذ يوم الأرض، يبدو التحدي أكثر تعقيداً؛ فالمعركة لم تعد فقط على استعادة الأرض، بل على منع تحويل الحق التاريخي والقانوني إلى نص معلق خارج الواقع. وفي ظل هذا المشهد، يبقى التمسك بالأرض، وتعزيز الحضور عليها، جوهر النضال الفلسطيني، في مواجهة مشروع يسعى إلى إعادة تعريف الجغرافيا والديمغرافيا معاً.

وعليه، فإن خمسين عاماً على يوم الأرض لا تختصر بحصيلة زمنية، بل تُختزل في معادلة واضحة: شعب يتجذر أكثر، في مقابل أرض تتآكل بفعل سياسات ممنهجة. وبين هذين المسارين، تتحدد ملامح المرحلة المقبلة، حيث يبقى الرهان على تحويل الصمود إلى فعل سياسي قادر على كسر الاختلال القائم، وإعادة الاعتبار لحق لم يسقط بالتقادم.

Exit mobile version