بعد أن ظنّوهم شهداء.. عناقٌ يغلب الموت لـ أطفال الخُدّج العائدين إلى حضن غزة المثقوب بالغياب

غزة _ الوعل اليمني 

بعد عامين من الغياب القاسي والانتظار الذي لا يُحتمل، عاد 11 طفلًا من الخُدّج إلى قطاع غزة، كبروا بعيدًا عن أمهاتهم، وحملوا في ملامحهم حكاية نجاة استثنائية من قلب حربٍ سلبتهم أولى لحظات الحياة. لم يكن هذا اللقاء عاديًا، بل كان مشهدًا إنسانيًا مكثفًا، تختلط فيه الدموع بالدهشة، والفرح بالفقد، والحنين بأسئلة لم تجد طريقها للإجابة بعد.

في مجمع ناصر الطبي بمدينة خان يونس أمس، تجمّعت العائلات لاستقبال أطفالها، بعضهم للمرة الأولى منذ ولادتهم. أمهات يحتضنّ أبناءً لا يتعرفون عليهن، وآباء يحاولون ترميم علاقة قُطعت قبل أن تبدأ. لحظة اختصرت عامًا طويلًا من الألم، وأعادت تعريف معنى النجاة في غزة.

وجاءت عودة الأطفال بعد رحلة علاج استمرت أكثر من عامين في مصر، حيث نُقلوا خلال الأيام الأولى من الحرب، عقب اقتحام مجمع الشفاء الطبي في نوفمبر/تشرين الثاني 2023. حينها، كانت الحاضنات تتوقف تباعًا بسبب نفاد الوقود، والأرواح الصغيرة تذبل أمام عجز الطواقم الطبية المحاصَرة، في مشهد وثّقته الكاميرات وناشد عبره الأطباء العالم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

وفي هذا السياق، يروي مسؤولون صحيون أن عملية إجلاء الأطفال كانت معقدة وخطيرة، جرت في ظل انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية، ونقص حاد في الإمكانيات الطبية. ورغم ذلك، تمكّن عدد منهم من النجاة، بينما فقد آخرون حياتهم خلال تلك الرحلة القاسية.

ومع وصول الأطفال إلى غزة، خضعوا لفحوصات طبية أكدت استقرار حالتهم الصحية، مع حاجتهم إلى متابعة خاصة، نظرًا للظروف التي مرّوا بها منذ ولادتهم. غير أن التحدي الأكبر لم يكن صحيًا فقط، بل نفسيًا وإنسانيًا بالدرجة الأولى.

فمن جهة، عبّرت عائلات عن فرحتها الغامرة بعودة أبنائها بعد أن فقدت الأمل في رؤيتهم مجددًا. تقول إحدى الأمهات: “كنت أعتقد أنها استشهدت… واليوم أحتضنها وكأن قلبي عاد إليّ”. بينما يصف أحد الآباء لقاءه بابنه بأنه “فرحة منقوصة”، بعدما فقد زوجته خلال الحرب، ولأن طفله لم يتعرف عليه.

ومن جهة أخرى، أثارت هذه العودة تفاعلًا واسعًا في الشارع الفلسطيني، حيث أعادت القصة فتح جروح الحرب، واستحضرت مآسي الأطفال الذين قُتلوا أو فُقدوا أو شُرّدوا. واعتبر ناشطون أن ما جرى “مأساة تقشعر لها الأبدان”، خاصة مع عدم تعرّف بعض الأطفال على ذويهم نتيجة طول الفراق.

وفي السياق ذاته، أشار مراقبون إلى أن قضية أطفال الخُدّج تسلط الضوء على ملف أوسع وأكثر تعقيدًا، يتعلق بمئات الأطفال الذين تشتتوا خلال الحرب، أو فقدوا عائلاتهم بالكامل، ما يستدعي تدخلًا دوليًا عاجلًا لتوثيق حالاتهم ولمّ شملهم.

وبين الألم والأمل، تبقى قصة هؤلاء الأطفال شاهدًا حيًا على قسوة الحرب، لكنها في الوقت ذاته تروي حكاية صمود استثنائي. فبرغم كل ما حدث، استطاعت هذه الأرواح الصغيرة أن تهزم الموت، وتعود إلى حيث تنتمي.

ختامًا، لا تقف الحكاية عند لحظة العودة، بل تبدأ منها رحلة جديدة، عنوانها إعادة بناء الروابط العاطفية بين أطفال كبروا في الغربة، وعائلات أنهكها الفقد. ومع ذلك، فإن المشهد الذي احتضنه مجمع ناصر الطبي يؤكد حقيقة واحدة: في غزة، ما تزال الحياة تجد طريقها، حتى من بين الركام.

Exit mobile version