فلسطين _ الوعل اليمني
في الخامس والعشرين من شباط/ فبراير من كل عام، يستحضر الفلسطينيون ذكرى مجزرة الحرم الإبراهيمي التي وقعت عام 1994، بوصفها واحدة من أكثر المحطات دموية في تاريخ الصراع، ليس فقط لعدد ضحاياها، بل لما ترتب عليها من تحولات سياسية وميدانية ما تزال آثارها قائمة حتى اليوم في مدينة الخليل والبلدة القديمة على وجه الخصوص.
ففي فجر يوم الجمعة، الخامس عشر من رمضان عام 1994، اقتحم المستوطن المتطرف باروخ غولدشتاين الحرم الإبراهيمي خلال صلاة الفجر، وأطلق النار على المصلين، ما أدى إلى استشهاد 29 فلسطينيًا داخل المسجد وإصابة نحو 150 آخرين. وفي أعقاب الجريمة، ارتفع عدد الشهداء إلى نحو 50 شهيدًا، بينهم من قضوا برصاص جنود الاحتلال في محيط الحرم وأثناء تشييع الضحايا، فيما سقط عشرات آخرون في مواجهات شهدتها مدينة الخليل ومدن فلسطينية أخرى في اليوم ذاته.
تداعيات المجزرة المباشرة
لم تتوقف تداعيات المجزرة عند حدود يومها الدامي، بل أعقبها إغلاق الحرم الإبراهيمي والبلدة القديمة لمدة ستة أشهر، بدعوى التحقيق، قبل أن تشكل سلطات الاحتلال لجنة تحقيق عُرفت باسم لجنة “شمغار”، التي خرجت بتوصيات كرّست واقعًا جديدًا في الحرم.
بموجب تلك التوصيات، جرى تقسيم الحرم الإبراهيمي بين المسلمين والمستوطنين، حيث استحوذ الاحتلال على نحو 60% من مساحته، بما يشمل مقامات وصحن الحرم، وفرض إجراءات أمنية مشددة، تمثلت في بوابات إلكترونية وكاميرات مراقبة وإغلاق معظم المداخل، إضافة إلى إغلاق أسواق وطرق رئيسية في البلدة القديمة، ما أدى إلى عزلها عن محيطها وفرض واقع احتلالي معقد على حياة السكان.
ومنذ ذلك الحين، تكررت إجراءات إغلاق الحرم ومنع رفع الأذان في أوقات مختلفة، وسط شكاوى فلسطينية متواصلة من تضييق على المصلين ومنعهم من الوصول الحر إلى المكان.
اتهامات ومسؤوليات سياسية
وتؤكد روايات فلسطينية أن جنود الاحتلال المتواجدين في الحرم آنذاك أغلقوا الأبواب أثناء تنفيذ المجزرة، ومنعوا إسعاف الجرحى، كما أطلقوا النار في محيط المسجد، وهو ما أدى إلى سقوط شهداء إضافيين. ويستند باحثون وكتّاب إلى هذه المعطيات للقول إن ما جرى لم يكن فعلًا فرديًا معزولًا، بل حدث في سياق أمني وسياسي أوسع.
وفي الذكرى الثانية والثلاثين، اعتبرت حركة المقاومة الإسلامية “حماس” أن المجزرة تمثل “صورة لما وصفته بالإرهاب المنظم”، مؤكدة في بيان صحفي أن جرائم الاحتلال “لن تسقط بالتقادم”، وداعية إلى ملاحقة قادته أمام المحاكم الدولية. كما ربطت الحركة بين المجزرة وما تصفه بالانتهاكات المتواصلة بحق المقدسات الإسلامية والمسيحية في الضفة الغربية، وفي مقدمتها المسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي.
في المقابل، يرى مراقبون أن المجزرة شكّلت نقطة تحول مفصلية في تكريس الانقسام المكاني داخل الحرم، وأسست لواقع أمني جديد استُخدم لاحقًا لتبرير مزيد من الإجراءات المشددة في البلدة القديمة.
الخليل بين الذاكرة والوقائع الميدانية
على الأرض، ما تزال آثار المجزرة حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية بمدينة الخليل. فالإغلاقات المتكررة، والحواجز العسكرية، وتقسيم الحرم، كلها تحوّلت إلى جزء من المشهد الدائم في البلدة القديمة، التي شهدت تراجعًا اقتصاديًا واجتماعيًا ملحوظًا منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي.
وبينما يحيي الفلسطينيون الذكرى سنويًا بوصفها محطة مفصلية في تاريخهم المعاصر، تستمر المطالبات بمساءلة المسؤولين عن الجريمة، وإعادة فتح الحرم الإبراهيمي كاملًا أمام المصلين المسلمين، ووقف ما يُنظر إليه كمخططات لفرض وقائع دائمة على أحد أبرز المعالم الدينية والتاريخية في فلسطين.
وهكذا، وبعد مرور 32 عامًا، لا تزال مجزرة الحرم الإبراهيمي حدثًا مفتوحًا على الحاضر، سواء في بعدها الرمزي المرتبط بالذاكرة الجماعية، أو في انعكاساتها السياسية والميدانية التي ما زالت ترسم ملامح المشهد في قلب الخليل.

الأسلحة الحارقة والجوع: “هندسة الألم” كأداة سياسية لكسر الحركة الأسيرة الفلسطينية
خدمات “واشنطن” القنصلية في مستوطنات الضفة: تكريس لسيادة الاحتلال أم إجراء إداري عابر؟
مقصلة “الحقيقة” 2025.. إسرائيل تتصدر قائمة “إعدام” الصحافة عالمياً
28 قتيلاً بدارفور وعقوبات على شقيق حميدتي و3 من قادة الدعم السريع