بقلم :د. علي العسلي
في لحظةٍ فارقة من عمر الدولة اليمنية، لا يبدو إقرار برنامج الحكومة لعام 2026، مقترنًا بموازنة عامة منتظمة، مجرد إجراء إداري اعتيادي، بل محاولة واعية لإعادة تعريف وظيفة الدولة نفسها، واستعادة زمام المبادرة في سياقٍ أنهكته سنوات التعثر، ومزقته الانقسامات، وعمّقت فيه فجوة الثقة بين المواطن ومؤسساته. غير أن هذا المسار يظل مشروطًا باستحقاق دستوري لا يمكن تجاوزه: عرض الموازنة على مجلس النواب، ومناقشتها، واستيعاب ملاحظاته، بما يعيد الاعتبار للدور الرقابي ويمنحها شرعية حقيقية.
الجديد هذه المرة لا يكمن فقط في صياغة برنامج حكومي، بل في تقديمه كإطار تنفيذي مرتبط بزمن محدد ومؤشرات أداء قابلة للقياس. وهو تحول مهم في الشكل، لكنه سيظل محدود الأثر في المضمون ما لم يتحول إلى أداة لبناء الثقة البرلمانية وتفعيل المساءلة. فالمشكلة في اليمن لم تكن يومًا غياب الخطط، بل غياب القدرة على فرضها.
يضع البرنامج يده على جوهر الاختلالات: اقتصاد مضطرب، رواتب غير منتظمة، خدمات متدهورة، وعملة تتآكل تحت ضغط الأزمات. وهذه ليست مجرد ملفات حكومية، بل تفاصيل يومية تمس حياة المواطن مباشرة؛ من انقطاع الكهرباء، إلى ارتفاع الأسعار، إلى تآكل القدرة الشرائية. وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي، لأن المواطن لا يقيس نجاح الحكومات بما تعلنه، بل بما يلمسه.
سياسيًا، يذهب البرنامج إلى عمق الأزمة حين يربط التعافي الاقتصادي ببسط سيادة الدولة، ويؤكد أن الدولة يجب أن تكون المصدر الوحيد للسلطة. هذه ليست عبارة إنشائية، بل قاعدة حاكمة: فلا اقتصاد يمكن أن يستقر في ظل تعدد مراكز القرار، ولا إصلاح يمكن أن ينجح في بيئة تتنازعها السلطات، خصوصًا في ملفات حساسة كالنقد والنظام المصرفي. وهو ما يفرض أولوية واضحة: استعادة أدوات السيادة، بما في ذلك تخصيص الموارد اللازمة في الموازنة المقدمة لحسم معركة استعادة الدولة. غير أن التحدي يكمن في أن هذه الحقيقة معروفة منذ سنوات… بينما لا يزال الواقع يناقضها.
وهنا تتشكل العقدة الأساسية: هل تملك الحكومة أدوات الفعل لاستعادة صنعاء وفرض سلطة الدولة، أم أنها ستبقى أسيرة إدارة التوازنات المعقدة؟ لأن الانتقال من “إدارة التوافق” إلى “بناء الدولة” هو الفارق الحقيقي بين النجاح والفشل.
اقتصاديًا، يبدو البرنامج أكثر نضجًا في تشخيص الاختلالات، خصوصًا في توجهه نحو ضبط الإنفاق، وتعزيز الإيرادات، وكبح التضخم، وتحويل الدعم الخارجي من إغاثة إلى تنمية. غير أن هذا المسار يصطدم بسؤال جوهري: إلى متى سيظل الاقتصاد معتمدًا على الدعم الخارجي؟
فأي استقرار يقوم على المساعدات وحدها يظل هشًا، وقابلًا للانهيار مع أول تغير في المعادلات. ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية لا تكمن في إدارة الدعم، بل في استعادة الأوعية السيادية للإيرادات—من نفط وغاز وضرائب وجمارك—وفرض السيطرة عليها بكفاءة وعدالة.
ولا يتوقف التحدي عند توفير الموارد، بل يمتد إلى حمايتها عبر ضمان استمرارية إنتاج وتصدير النفط والغاز، بعيدًا عن أي ابتزاز أو تعطيل، وألا تبقى هذه القطاعات الحيوية رهينة بيد الحوثيين. كما يشمل ذلك حمايتها من التشوهات البنيوية، وكسر حلقات الاحتكار التي تبتلع أي تحسن قبل أن يصل إلى المواطن. فكم من مرة تحسن سعر الصرف دون أن تنخفض الأسعار؟ وكم من قرار صدر دون أن ينعكس على السوق؟ هنا تُختبر الدولة، لا في قراراتها، بل في قدرتها على إنفاذها.
اجتماعيًا، يطرح البرنامج عناوين مهمة كتمكين الشباب، ودعم المرأة، وتعزيز التماسك المجتمعي. لكنها، رغم أهميتها، ستظل محدودة الأثر ما لم تتحول إلى سياسات ملموسة. فالمجتمع لم يعد ينتظر وعودًا، بل يبحث عن إشارات حقيقية تعيد بناء الثقة في الدولة.
الخطر الأكبر لا يكمن في نقص الرؤية، بل في فجوة التنفيذ. فهذه ليست المرة الأولى التي تُطرح فيها برامج طموحة، لكنها كثيرًا ما تعثرت عند أول اختبار ميداني. والسبب لا يعود فقط إلى تعقيد الواقع، بل إلى غياب الحسم، وضعف المتابعة، وتآكل أدوات الرقابة.
التحديات واضحة: تعدد مراكز القرار، هشاشة الوضع الأمني، ضعف الأجهزة الرقابية، والارتهان النسبي للخارج. لكن الأخطر ليس وجودها، بل الاعتياد عليها بوصفها وقائع ثابتة، لا اختلالات يجب كسرها.
فالنجاح لا يبدأ من كتابة البرامج… بل من القدرة على فرضها.
ولا يتحقق بتعدد الرؤى، بل بوحدة القرار.
ولا يُقاس بحجم الدعم، بل بقدرة الدولة على إدارة مواردها.
ولا يُبنى بالوعود، بل بالنتائج.
إقرار البرنامج والموازنة معًا يفتح نافذة حقيقية لإمكانية التحول، لكنه في الوقت ذاته يضع الحكومة أمام اختبار قاسٍ؛ لأن سقف التوقعات ارتفع، وهامش الأعذار تقلص.
الوقت هنا ليس عاملًا مساعدًا… بل عامل ضغط.
إما أن تتحول هذه الخطط إلى واقع يلمسه المواطن في راتبه وخدماته وسوقه،
أو تتحول إلى حلقة جديدة في سلسلة البرامج التي كُتبت بإتقان… وفشلت عند اللحظة الحاسمة: لحظة التنفيذ.

القاضي قطران: صودرت الحريات ولم يتبق للناس سوى حرية التسول
وزير الأوقاف يؤكد أهمية الاصطفاف خلف مجلس القيادة لتعزيز الاستقرار
مناقشة مقال: في ذكرى الربيع العربي ونصيب اليمن منه
واشنطن تستعد لـ”مجلس السلام” لغزة