تعز تشتعل… وحكومة التحرير ما تزال مؤجَّلة

بقلم :د. علي العسلي

في مطلع أزمة الانتقالي، اتُّخذت قراراتٌ سيادية جريئة، لو أُجِّلت إلى اليوم لما كان تمريرها ممكنًا.

قراراتٌ أعادت تعريف الصلاحيات، وكَسرت منطق الفيتو، ومنحت الدولة لحظة استعادةٍ نادرة لهيبتها، فاستبشر الناس، واعتقدوا أن مسار الحسم قد بدأ.

لكن ذلك المسار توقّف، وعادت الحسابات الضيّقة، والمحاصصة، والضغوط، فتأخّر إعلان الحكومة… بينما اشتعلت الجبهات.

بينما تخوض تعز معركة وجود حقيقية ضد مليشيا الحوثي، وتدفع الدم نيابة عن اليمن كلّه، تنشغل العواصم بالحوارات والصراعات، وتغيب الحكومة، ويُترك الميدان وحيدًا بلا ظهرٍ سياسي، ولا غرفة قيادة موحّدة.

في تعز، الجيش الوطني يشتبك، يضغط، ويتقدّم، وتسقط قتلى وجرحى في صفوف المليشيا.
وفي الرياض، تتحاور المكوّنات الجنوبية، وكأن الزمن متّسع، وكأن الحرب تنتظر نتائج الاجتماعات.

المفارقة فادحة، والرسالة مربكة.

ليس هذا وقت المناكفات، ولا لحظة تسجيل النقاط، ولا ساعة إعادة تعريف “من يحرر من”.
فالعدو واحد؛ لا يفرّق بين شمالي وجنوبي، ولا يعترف بخرائط السياسة ولا بحصص السلطة.

الحوثي عدو الشمال والجنوب معًا، وعدو المملكة، وتهديد مباشر لأمن المنطقة بأسرها.

ومن الوهم القاتل أن يُقال – صراحة أو تلميحًا – إن على الشماليين أن “يحرروا أنفسهم” إن أرادوا شراكة في حكومة “أصحاب الأرض والقرار”.
هذا منطق يُضعف المعركة، ويكسر الجبهة، ولا يخدم إلا العدو.

اليوم، المنطقة على صفيح ساخن،
والولايات المتحدة – بغضّ النظر عن المواقف – تمارس ضغطًا مباشرًا على إيران.
وهذه ليست نزهة سياسية، بل لحظة فارقة تفرض خيارًا واضحًا:

إمّا أن يستعيد اليمن وشرعيته زمام المبادرة،
أو يُترك ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

الحوثي كشف نفسه:
ظاهرة صوتية أكثر منه قوة ردع.
لم تهرب البوارج، ولم ينكسر الحضور الدولي في البحر الأحمر، بل تمركز أكثر… وربما على البر أيضًا.

في هذا التوقيت تحديدًا، يصبح تأخير إعلان الحكومة خطيئة سياسية،
لأن الحرب بلا حكومة، معركة بلا سقف، وبلا أفق واضح.

فالحكومة ليست ترفًا إداريًا، بل أداة حرب وبناء:
– لتفويض المعارك
– لتأمين الإمكانيات
– لتوحيد القرار
– لإعطاء الميدان ظهرًا سياسيًا واضحًا
– وللتحرير، ثم إعادة الإعمار، واستعادة الخدمات، وثقة الناس

وإن كان بعض “الإخوة” مصرّين على حصصهم، ومترددين في خوض معركة الشمال،
فليُترك تشكيل حكومة الجمهورية اليمنية لمن لديهم الاستعداد الفعلي للتحرير أولًا.
ليُعطَوا التفويض،
وليقودوا المعركة،
وليحرّروا ما تبقّى من الأرض…
وبعدها، لكل حادث حديث.

أما أن تُترك تعز تقاتل وحدها،
فسيأتي بعدها دور مأرب، وسيُقَسِّط الحوثي المعركة على مزاجه، جبهةً بعد أخرى،
فكفى رفع شعار “التحرير” في الخطب لا في غرف العمليات،
وتغيب القوات والتشكيلات عن الجبهات، ولا تظهر إلا عند اقتحام المدن المحرَّرة،
وتُمارَس نزعات إقصائية مدمِّرة،
وتظلّ فكرة غرفة القيادة الواحدة مؤجَّلة…

فذلك عبث سياسي وعسكري،
لا يليق بتضحيات الميدان،
ولا بدماء الجنود.

ومن الميدان – تعز:
الاشتباكات شبه مستمرة.
الجيش الوطني يضغط ويتقدّم، ولن يتوقف – كما يقول رجاله – إلا فيما وراء الحوبان… وربما أبعد.
خسائر في صفوف المليشيا، ومعنويات عالية في صفوف الأبطال.

اللهم كن عونًا للمرابطين، وانصرهم بنصرك.

ويبقى السؤال الذي لا يجوز الهروب منه:
من يناصر تعز اليوم؟
أين القوات المشتركة؟
أين غرفة القيادة الواحدة؟
وأين صنعاء من هذه المعركة؟

الصمت هنا…
ليس حيادًا،
بل موقف يُحسب ويُسجَّل.

Exit mobile version