في شوارع صنعاء، حيث يتناثر الغبار بين عربات السيارات وتئن الأرصفة من ثقل الخطوات، يقف الأطفال والنساء وكبار السن على الأطراف، يمدون أيديهم طلباً لقليل من الطعام أو مبلغ يسد رمق يومهم. صوت بكاء طفل يختلط بصراخ آخر، امرأة تحمل رضيعها تحاول الإمساك بيديها المرتجفتين، وكبار السن يحدقون في المارة بلا أمل. القاضي عبدالوهاب قطران وصف هذه الحرية الوحيدة المتبقية للناس بأنها “حرية التسول”، لكنها ليست مجرد وصف، بل صرخة صامتة تعكس عمق الأزمة التي يختبرها مجتمع بأكمله. هذا التحقيق يرصد هذا الواقع الإنساني اليومي، بعيداً عن الأرقام الباردة، عبر شهادات مباشرة من الشوارع والبيوت حيث يقف الجوع أمام كل باب وكأن الحياة اختزلت في الطابور الطويل أمام أي توزيع غذائي.
سجون مكتظة وأرصفة لا تتسع
في الوقت الذي تكتظ فيه السجون بالصحفيين والنشطاء وأصحاب الرأي، تتسع الشوارع أمام عشرات المتسولين الذين يقفون ساعات طويلة بلا طعام، ينتظرون أي معونة قد تصلهم. في شارع هائل، يروي أحد أصحاب المحال التجارية كيف تضاعف عدد النساء والأطفال المتسولين خلال العامين الأخيرين، مشيراً إلى أن الكثير منهم يقفون منذ الصباح وحتى المساء، بينما تقل الحركة الشرائية بسبب الانكماش الاقتصادي. هذا التزامن بين تضييق المجال السياسي واتساع الهشاشة الاقتصادية يعكس خللاً عميقاً في إدارة الموارد وفي أولويات المعالجة.
حين يفوق المتسولون الحاضرين
في عزاء بأحد أحياء همدان، شهد الحاضرون مشهداً صعباً: كان عدد المتسولين أكبر من عدد الحاضرين للعزاء، أطفال يصرخون طلباً للطعام، أسر تحاول إبعادهم عن الفوضى، وكل هذا وسط حزن جماعي على فقدان قريب. مشهد مماثل يتكرر في الأعراس وصالات العزاء، ليصبح التسول ظاهرة جماعية تحاصر الناس في كل مكان، وتعيد تشكيل مفهوم التفاعل الاجتماعي، حيث لم يعد الفقر حالة فردية بل مسؤولية جماعية ثقيلة.
الاقتصاد المنهك
تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 21 مليون يمني بحاجة لمساعدات إنسانية، فيما يعيش نحو 80 في المئة من السكان تحت خط الفقر. الاقتصاد اليمني انكمش بأكثر من 50 في المئة منذ بداية الحرب، مع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار، وهو ما دفع شريحة واسعة نحو القطاع غير الرسمي، والتسول أصبح أقصى تجليات هذا الانحدار الاجتماعي.
أسر بلا أمل
منذ سنوات، يعاني موظفو الدولة في مناطق سيطرة صنعاء من انقطاع أو تأخير مستمر في صرف الرواتب، ما وضع مئات الآلاف من الأسر أمام واقع معيشي صعب يعتمد على القليل المتاح أو على المساعدات الموسمية للبقاء على قيد الحياة. معلمة تقول إن ما تتقاضاه لا يكفي لتغطية أبسط احتياجات أسرتها، بينما طفل في الثانية عشرة ترك المدرسة ليساعد أسرته في شراء الخبز، مؤكداً أن العودة إلى المدرسة حلم يتراجع أمام ضغوط الحاجة اليومية.
المواطنون يتساءلون عن الأموال التي تجبى سنوياً باسم الزكاة والضرائب، وعن مكان صرفها في ظل غياب تقارير مالية منشورة بشكل دوري، في حين يرى خبراء الاقتصاد أن أي نظام جباية يحتاج إلى عدالة ووضوح للحفاظ على الثقة. بعض حملات التوزيع تُنفذ في ساحات مكشوفة مع تصوير المستفيدين، ما يجعل بعض المحتاجين يشعرون بالإذلال رغم أن المساعدات الإنسانية ينبغي أن تحافظ على الكرامة أولاً.
جيل ينمو على الأرصفة
الأطفال هم أكثر المتضررين، حيث يدفعهم الفقر إلى الشوارع للعمل أو للتسول، معرضين للاستغلال والعنف ومحرومين من التعليم. الباحثون الاجتماعيون يحذرون من أن استمرار هذا الواقع سيخلق جيلاً يشعر بالإقصاء ويعيد تشكيل العلاقة بين المواطن والسلطة على أساس الحاجة وليس المواطنة. تحول الفقر إلى ظاهرة واسعة لا يهدد الاقتصاد فقط بل يهدد النسيج الاجتماعي ويعمق الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي.
السؤال الذي يطرحه صنعاء اليوم ليس فقط عن عدد المتسولين أو حجم الجبايات، بل عن مستقبل مدينة تتآكل فيها فرص العمل، وتتراجع فيها القدرة الشرائية، وتصبح الأرصفة المكان الأكثر أماناً للقاء الحياة اليومية. هل يمكن كسر هذه الحلقة من خلال إصلاح اقتصادي حقيقي، وضمان انتظام الرواتب، وشفافية في إدارة الموارد، وخلق فرص عمل مستدامة؟ أم ستظل الأرصفة هي المساحة الوحيدة المتاحة للناس؟ في مدينة أنهكتها الحرب والفقر، الحرية الوحيدة المتبقية ليست امتيازاً بل صرخة مجتمع يبحث عن كرامته في كل صباح يقف فيه على الرصيف مترقباً لقليل من الغذاء أو فرصة للعيش بكرامة.

حرب التغييب الديني: أسرى “عوفر” “وجلبوع” يواجهون رمضان بلا مواقيت أذان أو سحور
إبادة غزة.. الحصيلة الرسمية تكسر حاجز الـ 72 ألف شهيد ودراسة دولية تصدم العالم بحقيقة الأرقام المخفية
اقتصاد غزة الرقمي تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي
إسرائيل تضم الضفة الغربية بهدوء.. الخطأ الذي سيهدد الشرق الأوسط