تتسارع التحركات الدولية المرتبطة بقطاع غزة عقب الاجتماع الافتتاحي لما يُعرف بـ”مجلس السلام” في واشنطن برئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث برزت ملامح خطة سياسية وأمنية شاملة تربط إعادة الإعمار بترتيبات أمنية معقدة، في مقدمتها نزع سلاح المقاومة وإعادة هيكلة منظومة الحكم في القطاع. غير أن هذه الطروحات تفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول مستقبل المشهد الفلسطيني وحدود الدور الإسرائيلي في المرحلة المقبلة.
وفي هذا السياق، كشف توني بلير، عضو المجلس التنفيذي لـ”مجلس السلام”، في تصريحات لقناة إسرائيلية، أن أي مسار لإعادة إعمار غزة يقوم بالدرجة الأولى على “تفكيك القدرات العسكرية” للمقاومة، وضمان انتقال السلطة إلى “لجنة تكنوقراط” تتمتع بصلاحيات تنفيذية كاملة. واعتبر أن نجاح الخطة مرهون بتهيئة بيئة أمنية جديدة تضمن ما وصفه بـ”الحوكمة السليمة” والاستقرار طويل الأمد.
الإشراف الإسرائيلي
وبحسب بلير، فإن إسرائيل ستتولى فحص وتدقيق قوة الشرطة الفلسطينية الجديدة التي يُقترح تشكيلها في غزة، للتأكد من التزامها بالمعايير الأمنية المطلوبة؛ وهو ما يضع تل أبيب في موقع إشرافي مباشر على البنية الأمنية الداخلية للقطاع في مرحلة ما بعد الحرب. ويثير ذلك جدلاً واسعاً حول طبيعة السيادة الفلسطينية وحدود التدخل الخارجي في الشأن الداخلي.
وعلى الصعيد الدولي، أشار بلير إلى موافقة خمس دول هي: إندونيسيا، والمغرب، وكازاخستان، وكوسوفو، وألبانيا، على إرسال عناصر للمشاركة في “قوة الاستقرار الدولية” المزمع نشرها في غزة لفرض الأمن ودعم الشرطة المدنية. وفي موازاة ذلك، تعهدت دول أخرى بتقديم دعم مالي يُقدّر بنحو سبعة مليارات دولار لإعادة الإعمار، بينما أعلن ترامب تخصيص عشرة مليارات دولار لدعم “مجلس السلام”، مؤكداً أن حجم الدمار يتطلب التزاماً مالياً أكبر وجهداً دولياً منسقاً.
غياب الفلسطينيين
ورغم الحديث عن زخم دولي واسع، ومشاركة نحو خمسين دولة في القمة، إلا أن المؤتمر واجه انتقادات بسبب غياب تمثيل فلسطيني يعكس الإرادة الوطنية بشكل واضح، في مقابل حضور إسرائيلي فاعل في مناقشة مستقبل القطاع. وقد دفع ذلك مراقبين إلى التساؤل حول مدى شرعية أي ترتيبات سياسية أو أمنية تُصاغ في ظل غياب طرف الصراع الأساسي.
في المقابل، أكدت حركة حماس، على لسان القيادي موسى أبو مرزوق، أن أي نقاش يتعلق بسلاح المقاومة لم يُطرح رسمياً على طاولة المفاوضات، مشدداً على أن أولوية الحركة تتمثل في وقف الحرب، ورفع الحصار، وحماية السكان، لا في البحث في مسألة السلاح. كما اعتبر أن ربط الإعمار بنزع السلاح يعكس اعتبارات سياسية إسرائيلية داخلية أكثر مما يعكس رؤية واقعية للحل.
وأشار أبو مرزوق كذلك إلى أن أي تدخل خارجي لنزع السلاح لا يدخل ضمن مهام قوات الاستقرار الدولية، معتبراً أن التركيز على هذا الملف قبل تثبيت وقف شامل للعدوان يمثل انحرافاً عن جوهر الأزمة الإنسانية والسياسية التي يعيشها القطاع منذ السابع من أكتوبر 2023.
معادلة الإعمار
وبين الطروحات الدولية التي تتحدث عن إعادة هندسة الحكم في غزة عبر لجنة تكنوقراط، والمواقف الفلسطينية التي ترفض مقايضة الإعمار بالترتيبات الأمنية، تبرز معادلة جديدة قيد التشكل عنوانها: إعادة الإعمار مقابل إعادة تعريف السلطة والسلاح والدور الإقليمي. وهي معادلة تفتح الباب أمام مرحلة سياسية شديدة الحساسية قد تعيد رسم توازنات القوة داخل الساحة الفلسطينية وخارجها.
وعليه، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق فقط بحجم الأموال المرصودة أو بعدد الدول المشاركة، بل بطبيعة المشروع السياسي الكامن خلف هذه المبادرات: هل يشكل “مجلس السلام” مدخلاً حقيقياً لاستقرار مستدام؟ أم أنه إطار دولي لإعادة صياغة الواقع الأمني في غزة بما يتوافق مع أولويات إسرائيل الأمنية، في ظل غياب توافق وطني فلسطيني جامع حول مستقبل القطاع وشكل الحكم فيه؟
المصدر: وكالات.

فيفا ومجلس السلام يخصصان 75 مليون دولار لبناء ملاعب وأكاديمية في غزة
خوارزميات الموت: “بالانتير” وعصر الاستعمار الرقمي
تصريحات “من النيل إلى الفرات”.. هل تكشف مقابلة هاكابي تحوّلًا في بوصلة واشنطن أم زلة خطاب أيديولوجي؟
توافق فلسطيني أميركي على مأسسة التنسيق مع مجلس السلام وتعزيز دور السلطة في إدارة غزة