تصريحات “من النيل إلى الفرات”.. هل تكشف مقابلة هاكابي تحوّلًا في بوصلة واشنطن أم زلة خطاب أيديولوجي؟

أعادت مقابلة السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي مع الإعلامي تاكر كارلسون فتح باب الجدل واسعًا حول حدود الموقف الأمريكي من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بعدما تضمنت تصريحات اعتبرها مراقبون غير مسبوقة في حدتها ووضوحها الأيديولوجي.

 فخلال الحوار، استند هاكابي إلى تفسيرات دينية من سفر التكوين للحديث عن “حق توراتي” يمتد من نهر النيل إلى نهر الفرات، قبل أن يجيب بشكل قاطع على سؤال حول أحقية إسرائيل بتلك المساحة بالقول إنه “لا بأس لو استولت على كل ذلك”، وهو تصريح أشعل موجة انتقادات سياسية ودبلوماسية في المنطقة وخارجها.

وفي سياق المقابلة التي نُشرت مقتطفات منها عبر منصة “شبكة تاكر كارلسون”، طرح كارلسون تساؤلات مباشرة بشأن دلالات الإصحاح 15 من سفر التكوين، الذي يتحدث عن وعد إلهي لإبراهيم ونسله بأرض تمتد بين النهرين. وبحسب الطرح الذي ناقشه الطرفان، فإن هذا النطاق الجغرافي يشمل عمليًا أجزاء واسعة من الشرق الأوسط المعاصر، من بلاد الشام إلى أجزاء من العراق والسعودية ومصر.

 ورغم محاولة هاكابي لاحقًا الإشارة إلى أن الحديث لا يعني بالضرورة تبني خريطة سياسية كاملة على هذا الأساس، إلا أن عبارته بشأن عدم الممانعة في “أخذها بالكامل” بقيت العنوان الأبرز في التفاعل مع المقابلة.

ويُعرف هاكابي، المعين في منصبه في أبريل نيسان 2025، بانتمائه إلى تيار الصهيونية المسيحية الذي يتبنى قراءة حرفية للنصوص الدينية المتعلقة بأرض “الميعاد”. كما سبق له أن تحدث عن “حق إلهي” لإسرائيل في الضفة الغربية، مستخدمًا توصيف “يهودا والسامرة” بدلًا من الضفة الغربية، وهو مصطلح ترفضه الأمم المتحدة التي تعتبر الأراضي محتلة منذ عام 1967.

 وفي هذا السياق، أعلن السفير تأييده لعمليات الضم في المناطق المصنفة “ج”، معتبرًا أنها ليست أراضي محتلة بل مناطق سيادية إسرائيلية، في موقف يتعارض مع قرارات الشرعية الدولية.

المقابلة لم تقتصر على البعد اللاهوتي، بل امتدت إلى ملفات حساسة في السياسة الخارجية الأمريكية. فقد أقر هاكابي بأن إسرائيل مارست ضغوطًا على واشنطن لغزو العراق عام 2003 استنادًا إلى معلومات استخباراتية ثبت لاحقًا عدم دقتها، مشيرًا إلى أن تل أبيب كانت تتحرك وفق مصالحها الخاصة. وهو ما دفع كارلسون للتعليق بأن الجنود الأمريكيين الذين قضوا في العراق لم يموتوا دفاعًا عن مصالح أمريكية خالصة، محذرًا من تكرار السيناريو ذاته في أي مواجهة محتملة مع إيران بفعل نفوذ رئيس الوزراء الإسرائيلي في دوائر صنع القرار بواشنطن.

أما في ما يتعلق بالحرب على غزة، فقد واجه كارلسون السفير الأمريكي بأسئلة مباشرة حول مقتل الأطفال واستهداف المستشفيات والصحفيين، واصفًا ما يجري بأنه حرب تمول من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين. ورد هاكابي بإلقاء المسؤولية على حركة حماس، معتبرًا أنها تستخدم المدنيين دروعًا بشرية، بل وذهب إلى القول إن الجيش الإسرائيلي يلتزم بمعايير أخلاقية تفوق تلك التي يعتمدها الجيش الأمريكي، وهو تصريح أثار استغراب وانتقاد محاوره الذي شدد على أنه لا يمكن تبرير قتل الأطفال تحت أي ظرف.

وفي خضم التفاعل الإقليمي، جاء أول رد رسمي عربي من الأردن، إذ وصفت وزارة الخارجية تصريحات هاكابي بأنها عبثية واستفزازية وتمثل انتهاكًا للأعراف الدبلوماسية ومساسًا بسيادة دول المنطقة، مؤكدة أن الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة أراض فلسطينية محتلة وفق القانون الدولي. كما اعتبرت أن تلك التصريحات تتناقض مع الموقف المعلن للرئيس الأمريكي بشأن رفض ضم الضفة الغربية.

ويرى مراقبون أن أهمية المقابلة لا تكمن فقط في مضمونها، بل في توقيتها أيضًا، إذ تأتي في ظل تصاعد الاستيطان وتآكل فرص حل الدولتين، ما يعزز المخاوف من توجه داخل بعض دوائر صنع القرار الأمريكي نحو تبني خطاب أكثر انسجامًا مع أجندة اليمين الإسرائيلي. وفي المقابل، يذهب آخرون إلى أن تصريحات هاكابي تعكس قناعته الشخصية وخلفيته الدينية أكثر مما تعبر عن تحول رسمي معلن في السياسة الأمريكية، خاصة في ظل استمرار الحديث في واشنطن عن مسارات سياسية ودبلوماسية لاحتواء التصعيد.

وبين هذين التفسيرين، يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كانت تصريحات “من النيل إلى الفرات” مجرد تعبير أيديولوجي عابر أم مؤشرًا على إعادة صياغة أعمق لأولويات السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. وفي منطقة تعيش أصلًا على وقع توترات متصاعدة، تبدو الكلمات الصادرة عن دبلوماسيين كبار قادرة على إشعال عواصف سياسية تتجاوز حدود الاستوديوهات الإعلامية إلى خرائط النفوذ والتحالفات في الإقليم بأسره.

 المصدر: وكالات.

Exit mobile version