مع إطلالة شهر رمضان، جلس محمد صالح، موظف حكومي في منتصف الأربعينات، ينتظر ما اعتاد عليه كل عام: بضع قراطيس من التمر كان صديق له يتكفل بإيصالها إلى منزله مع بداية الشهر. منذ توقف راتبه قبل سنوات، أصبحت تلك الهدية الصغيرة جزءا أساسيا من مائدة إفطاره.
يقول محمد إن الأيام الأولى من رمضان مرت دون أن يطرق أحد بابه. وحين تواصل مع صديقه جاءه الرد صادما: لم يعد بإمكان التجار توزيع الصدقات كما في السابق، إذ باتوا ملزمين بتسليمها عبر قنوات محددة. “لم أكن أطلب الكثير، فقط ما يسندنا في هذا الشهر”، يقول بصوت مثقل.
قصة محمد ليست حالة فردية، بل تعكس تحولا أوسع في مشهد التكافل الاجتماعي في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث تقلصت المبادرات الفردية وتراجعت أدوار الجمعيات المستقلة، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الإنسانية بشكل غير مسبوق.
تضييق على الجمعيات والمبادرات
قاسم علي، الذي كان يعمل في مؤسسة خيرية بصنعاء، يتحدث عن توقف مشاريع اعتاد تنفيذها كل رمضان، من مطابخ خيرية إلى توزيع سلال غذائية. يؤكد أن التصاريح لم تُجدد، وأن أنشطة جمع التبرعات خضعت لقيود مشددة. “الأصعب لم يكن إغلاق المكتب، بل عجزنا عن الرد على عشرات الأسر التي كانت تنتظر دعمنا السنوي”، يقول.
مصادر إغاثية أفادت بأن السلطات في صنعاء فرضت خلال السنوات الأخيرة آليات رقابة صارمة على العمل الخيري، وألزمت الجهات الراغبة في تنفيذ أنشطة إغاثية بالحصول على موافقات مسبقة، مع حصر عمليات التوزيع عبر كيانات معتمدة. كما تم رفض تجديد تراخيص لعدد من الجمعيات، بينما سُمح بالعمل لجهات أخرى مقربة.
هذه الإجراءات، بحسب عاملين في المجال الإنساني، أدت إلى انكماش المبادرات المحلية المستقلة، ودفع بعض رجال الأعمال إلى التوقف عن تقديم مساعدات مباشرة خشية المساءلة أو التعقيدات الإدارية.
أرقام الاحتياج تتصاعد
يأتي ذلك في سياق إنساني بالغ التعقيد. فبحسب تقارير أممية حديثة، يحتاج أكثر من 21 مليون يمني إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية، بينما يعاني نحو 17 مليونا من انعدام الأمن الغذائي. كما يواجه ملايين الأطفال مخاطر سوء التغذية، في ظل تراجع التمويل الدولي للبرامج الإغاثية.
في هذا الواقع، كان شهر رمضان يمثل تقليديا موسما تتعزز فيه شبكات التكافل المجتمعي، حيث تسهم الصدقات والزكوات في سد فجوات مؤقتة لدى الأسر الأشد فقرا. غير أن القيود المفروضة على المبادرات الفردية والمؤسسية، بحسب مصادر محلية، قلصت من هذا الدور.
إعادة تشكيل خريطة العمل الخيري
مصادر مطلعة تشير إلى أن كيانات جديدة أُنشئت خلال السنوات الماضية لتولي إدارة جانب كبير من العمل الإغاثي، مع توجيه التبرعات عبرها. وتقول المصادر إن بعض هذه الجهات تحمل طابعا مرتبطا بخطاب تعبوي أو اجتماعي محدد، وتعمل ضمن نطاق جغرافي واسع في مناطق السيطرة.
في المقابل، تراجع نشاط جمعيات كانت تقدم كفالات للأيتام ومساعدات للمرضى وذوي الإعاقة والنازحين. تقارير حقوقية سابقة وثقت تعرض عشرات المنظمات المحلية لإجراءات إغلاق أو مصادرة أو تقييد، ما أثر على عشرات الآلاف من المستفيدين.
بين الحاجة والقيود
النتيجة المباشرة لهذه التحولات، كما يصفها مواطنون، هي اتساع الفجوة بين حجم الاحتياج وحجم المساعدة المتاحة. أسر كثيرة باتت تعتمد على الاقتراض أو تقليص وجبات الطعام. ومع غياب رواتب منتظمة لمئات الآلاف من الموظفين، تضاءلت قدرة المجتمع على تعويض هذا الفراغ ذاتيا.
يقول أحد وجهاء الأحياء في صنعاء إن المبادرات المجتمعية الصغيرة كانت تمثل “شبكة أمان صامتة”، تساعد في علاج مريض أو إطعام أسرة دون ضجيج. “اليوم كل شيء يمر عبر قنوات محددة، والناس تخشى التحرك بشكل مستقل”، يضيف.
رمضان تحت ضغط الحاجة
في مدينة كانت تستقبل رمضان بزخم من موائد الإفطار الجماعي والسلال الموزعة في الأحياء، تبدو الصورة أكثر انكماشا. الحاجة تتسع، والمبادرات تضيق، والرواتب غائبة.
محمد صالح لا يسأل عن تفاصيل القرارات ولا عن خرائط النفوذ، كل ما يعرفه أن مائدته هذا العام أقل مما كانت عليه. “كنا نعيش على القليل، حتى هذا القليل صار صعبا”، يقول.
بين توقف الرواتب وتقييد العمل الخيري وإعادة توجيه موارده، تتآكل شبكات التضامن التي ظلت لسنوات تخفف وطأة الفقر. وفي شهر يُفترض أن يكون موسما للتراحم، يجد كثير من اليمنيين أنفسهم أمام معادلة قاسية: احتياج يتضاعف، وتكافل يتراجع، وأفق إنساني يزداد ضيقا.

حرية واحدة فقط.. بين سجون الرأي وطوفان المتسولين في صنعاء
اقتصاد غزة الرقمي تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي
إسرائيل تضم الضفة الغربية بهدوء.. الخطأ الذي سيهدد الشرق الأوسط
لماذا يتردد ترمب في شَنِّ حرب على إيران؟