مبيدات الموت في صنعاء

حين تتحول السموم الزراعية إلى حرب صامتة ضد اليمنيين

لم تعد أسماء مثل «العبد» و«الفيل» و«الوسام» مجرد مسميات عابرة في الأسواق الزراعية، بل تحولت، خلال الفترة الأخيرة، إلى عنوان لمخاوف واسعة لدى المزارعين في مناطق سيطرة جماعة الحوثي، بعد تداول تحذيرات متزايدة من استخدامها كمبيدات يُعتقد أنها تسببت بأضرار جسيمة للمزروعات، ومخاطر صحية خطيرة للسكان.

هذه الأسماء، التي يتداولها المزارعون على نطاق واسع، ترتبط بمبيدات دغسانية انتشرت في أسواق القات والمحاصيل الزراعية، وسط اتهامات متصاعدة بتسببها في تلف المزروعات، وتزايد القلق الشعبي من آثارها الصحية المحتملة، في ظل غياب رقابة رسمية شفافة على تداولها.

وخلال الأشهر الماضية، تصاعدت التحذيرات الشعبية من مخاطر هذه المبيدات، مع انتشار شهادات مزارعين تحدثوا عن خسائر كبيرة لحقت بمحاصيلهم بعد استخدامها، إلى جانب مخاوف من انعكاساتها الصحية على المستهلكين.

وتأتي هذه المخاوف في سياق حساس، بعد تهديدات إسرائيلية سابقة باستهداف زراعة القات في اليمن، وهو ما دفع ناشطين إلى الربط بين انتشار هذه المبيدات وفرضية «الحرب الصامتة» التي تستهدف الأمن الغذائي والصحي لليمنيين، رغم غياب أدلة رسمية تؤكد تلك الاتهامات.

وفي المقابل، لم تتعامل سلطات الأمر الواقع ” مليشيات الحوثي “في صنعاء مع هذه المخاوف بما يبدد القلق الشعبي، بل اتجهت، بحسب ناشطين، إلى الدفاع عن بعض تجار المبيدات المتهمين باستيراد أصناف محظورة، في وقت تتزايد فيه المطالب بفتح تحقيقات شفافة حول طبيعة هذه المواد ومصادرها.

وفي هذا السياق، كان رئيس المجلس السياسي الأعلى التابع لمليشيات الحوثي، مهدي المشاط، قد تناول القضية خلال اجتماع عقده في 19 مايو 2024 مع قيادات في وزارة الزراعة والري، حيث نفى وجود استخدام لمبيدات محظورة، واعتبر التحذيرات المثارة بشأنها جزءًا مما وصفه بـ«حملة تضليل» مرتبطة بمؤامرات خارجية.

غير أن هذه التصريحات لم توقف حالة الجدل المتصاعدة، خصوصًا بعد تداول مقاطع فيديو لمواطنين ومزارعين من مديرية بني مطر غرب صنعاء، تحدثوا فيها عن وصول مبيدات يُقال إنها إسرائيلية الصنع إلى الأسواق الزراعية، وتحمل أسماء مثل «العبد» و«الفيل» و«الوسام».

ووفقًا لشهادات متداولة، فإن عددًا من المزارعين استخدموا هذه المبيدات قبل أن يكتشفوا آثارًا سلبية على أشجار القات ومحاصيلهم الزراعية، ما دفع بعضهم إلى التحذير من استمرار تداولها دون رقابة.

كما تحدث ناشطون عن تعرض مواطنين نشروا تحذيرات حول هذه المبيدات لضغوط وتهديدات، مطالبين السلطات المختصة بتنفيذ حملات تفتيش ميدانية على محال بيع المبيدات، بدلًا من مطالبة المزارعين بإثبات وجود هذه المواد بأنفسهم.

وفي السياق ذاته، أثار اعتقال الناشط خالد العراسي جدلًا واسعًا، بعد نشره وثائق قال إنها تكشف تورط تجار وقيادات في استيراد مبيدات محظورة، حيث كتب في أحد منشوراته: «توقفوا عن قتلنا… المبيدات إبادة جماعية»، قبل أن يتعرض للاعتقال مرتين، ولا يزال محتجزًا حتى الآن، وفق ما أفاد به مقربون منه.

وتزامن هذا الجدل مع إعلان جهاز الأمن والمخابرات التابع لسلطة صنعاء، في الرابع من أبريل الجاري، القبض على عناصر قال إنها عملت مع أجهزة استخبارات إسرائيلية، في بيان أشار إلى ارتباطهم بجهاز «أمان» و«الموساد» وجهات إسرائيلية أخرى.

وفي تعليق لافت على هذا البيان، قال الناشط إبراهيم حسين إن «العملاء الحقيقيين لإسرائيل هم تجار المبيدات والمدافعون عنهم والساكتون عن جرائمهم»، في إشارة إلى الجدل المتصاعد حول ملف المبيدات الزراعية.

وتبقى قضية المبيدات الزراعية المتداولة في مناطق سيطرة جماعة الحوثي واحدة من أكثر الملفات حساسية، في ظل غياب معلومات رسمية واضحة حول طبيعة هذه المواد ومصادرها، واستمرار المخاوف الشعبية من تأثيراتها المحتملة على صحة المواطنين ومستقبل الأمن الغذائي في البلاد.

Exit mobile version