غزة- الوعل اليمني
في الوقت الذي تُطرح فيه إعادة إعمار قطاع غزة بوصفها استحقاقًا إنسانيًا وسياسيًا ملحًا بعد حرب مدمّرة، تكشف تقارير صحفية إسرائيلية عن مقاربة مختلفة تمامًا داخل أروقة صنع القرار في تل أبيب: مقاربة ترى في الإعمار فرصة لإعادة هندسة العلاقة مع غزة، اقتصاديًا وأمنيًا، بما يضمن استمرار السيطرة غير المباشرة وتحقيق مكاسب طويلة الأمد.
وفق ما نشرته صحيفة هآرتس، فإن وزارة المالية الإسرائيلية، بالتنسيق مع الجيش، بدأت خلال الأسابيع الأخيرة نقاشات معمّقة حول “اليوم التالي” للحرب، ليس فقط من زاوية الترتيبات الأمنية، بل من منظور اقتصادي صِرف، يهدف إلى تحويل مشاريع إعادة الإعمار المموّلة دوليًا إلى رافعة لدعم الاقتصاد الإسرائيلي وتعزيز تبعية البنية التحتية في غزة لإسرائيل.
ملف الكهرباء
أحد أبرز محاور هذه الرؤية يتمثل في ملف الطاقة. فبدلًا من دعم إنشاء محطة كهرباء مستقلة داخل قطاع غزة أو حتى في مصر، وهو خيار مطروح لدى بعض الجهات المانحة، تدفع إسرائيل باتجاه توسيع محطة توليد الكهرباء في عسقلان داخل أراضيها. الفكرة تقوم على إقناع الدول المانحة بتمويل هذا التوسّع، مقابل تزويد غزة بالكهرباء لاحقًا.
هذا الطرح، وإن بدا تقنيًا، يحمل دلالات سياسية عميقة؛ إذ يعني عمليًا إبقاء قطاع غزة معتمدًا كليًا على إسرائيل في واحد من أكثر القطاعات حيوية، بما يمنحها قدرة دائمة على التحكم في إيقاع الحياة اليومية داخل القطاع، تحت غطاء إعادة الإعمار والمساعدات الدولية.
ملف الطرق
لا يتوقف الطرح الإسرائيلي عند الكهرباء. فبحسب هآرتس، تدرس وزارة المالية مطالبة الدول المانحة بتمويل مشاريع طرق داخل الأراضي المحتلة، أبرزها ترميم وتوسعة الطريق رقم 232 المحاذي لغلاف غزة. وتُسوَّق هذه المشاريع على أنها ضرورية لتسهيل حركة المساعدات أو تنقّل العمال الفلسطينيين مستقبلًا.
غير أن هذه المقاربة تعني، في جوهرها، تحسين شبكة الطرق الإسرائيلية داخل المستوطنات والمناطق المحيطة بغزة، بأموال دولية مخصّصة اسميًا لإعادة إعمار القطاع، في وقت لا يزال فيه الحديث عن حركة عمال أو تنقّل فلسطينيين أقرب إلى الافتراض النظري منه إلى خطة قابلة للتنفيذ.
غرف التنسيق
تكشف التقارير أيضًا عن البنية المؤسسية التي تُدار من خلالها هذه التصورات. ففي مستوطنة “كريات غات” جنوبي الأراضي المحتلة، يعمل ما يُعرف بـ”المركز الدولي للتنسيق المدني–العسكري”، الذي يضم ممثلين عن 28 دولة، موزعين على ست مجموعات عمل تشمل مجالات الأمن، والاستخبارات، والهندسة، والإدارة المدنية، والمساعدات الإنسانية.
ورغم الطابع الدولي للمركز، فإن إسرائيل حاضرة في كل مجموعة عبر مندوب رسمي، ما يمنحها موقعًا مركزيًا في توجيه النقاشات وتحديد أولويات الإعمار. في المقابل، تُفرض قيود على مشاركة دول فاعلة في ملف غزة، مثل تركيا وقطر، رغم الإقرار بتأثيرهما السياسي والمالي، وهو ما يثير تساؤلات حول معايير الشراكة وحدودها.
هاجس السيطرة
تُظهر قراءة التقرير أن هاجس إسرائيل الأساسي لا يقتصر على الربح الاقتصادي، بل يمتد إلى منع نشوء أي بنية تحتية مستقلة في غزة قد تخرج عن نطاق سيطرتها. فإقامة محطة كهرباء داخل القطاع، من وجهة النظر الإسرائيلية، تعني منح الجهة الحاكمة هناك—أيًا كانت—قدرًا من الاستقلالية الاستراتيجية، وهو ما تعتبره تل أبيب خطًا أحمر.
لذلك، تفضّل إسرائيل نموذج “التزويد المباشر”: كهرباء، طرق، وربما لاحقًا مياه واتصالات، جميعها تمر عبرها وتبقى مفاتيحها بيدها، بينما يتحمّل المجتمع الدولي كلفة التمويل والتطوير، حتى وإن صُرفت هذه الأموال داخل إسرائيل نفسها.
وقائع مؤجلة
في السياق ذاته، تشير هآرتس إلى أن المرحلة الحالية من إعادة الإعمار قد تقتصر على إزالة الأنقاض ومخلّفات الحرب، مع تأجيل البناء الفعلي. وجرى بالفعل إقرار مشاريع مثل إنشاء ضاحية في شمال شرق رفح بتمويل إماراتي، لاستيعاب نحو 25 ألف شخص، على أن يكون الدخول إليها عبر تصاريح أمنية إسرائيلية.
هذا النهج، القائم على الحلول المؤقتة، يفتح الباب أمام ترسيخ وقائع جديدة على الأرض قبل الشروع في إعمار حقيقي، ويجعل من الإعمار عملية مُدارة أمنيًا أكثر منها مسارًا لإعادة بناء مجتمع مدمَّر.
سؤال مفتوح
بين الخطاب الدولي الذي يتحدث عن إعادة إعمار غزة، والوقائع التي تكشفها الصحافة الإسرائيلية، يبرز سؤال جوهري: هل تتجه غزة نحو إعادة بناء مستقلة تعيد لها الحد الأدنى من السيادة على مقومات الحياة، أم نحو نموذج جديد من التبعية المُقنَّعة، تُموَّل دوليًا وتُدار إسرائيليًا؟
في ظل هذه المعادلة، لا يبدو أن معركة غزة القادمة ستكون فقط على الأرض، بل على شكل الإعمار نفسه، ومن يملك قراره، ومن يدفع ثمنه، ومن يجني ثماره.

حرب التغييب الديني: أسرى “عوفر” “وجلبوع” يواجهون رمضان بلا مواقيت أذان أو سحور
إبادة غزة.. الحصيلة الرسمية تكسر حاجز الـ 72 ألف شهيد ودراسة دولية تصدم العالم بحقيقة الأرقام المخفية
جنيف تستضيف جولة ثالثة من المفاوضات الإيرانية الأمريكية الخميس المقبل
بين السيادة والمساعدات.. غرينلاند والدنمارك ترفضان عرض ترامب لإرسال مستشفى عائم